سورة الملك · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مبينا أنه المعبود وحده، وداعيا عباده إلى شكره، وإفراده بالعبادة -: { قل هو الذي أنشأكم } أي: أوجدكم من العدم، من غير معاون له ولا مظاهر، ولما أنشأكم، كمل لكم الوجود بالسمع والأبصار والأفئدة، التي هي أنفع أعضاء البدن، وأكمل القوى الجسمانية، ولكنه مع هذا الإنعام { قليلا ما تشكرون } الله، قليل منكم الشاكر، وقليل منكم الشكر. { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } أي: بثكم في أقطارها، وأسكنكم في أرجائها، وأمركم، ونهاكم، وأسدى عليكم من النعم، ما به تنتفعون، ثم بعد ذلك يحشركم ليوم القيامة، ولكن هذا الوعد بالجزاء، ينكره هؤلاء المعاندون { ويقولون } تكذيبا: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } جعلوا علامة صدقهم أن يخبروا بوقت مجيئه، وهذا ظلم وعناد، فإنما العلم عند الله لا عند أحد من الخلق، ولا ملازمة بين صدق هذا الخبر وبين الإخبار بوقته، فإن الصدق يعرف بأدلته، وقد أقام الله من الأدلة والبراهين على صحته ما لا يبقى معه أدنى شك لمن ألقى السمع وهو شهيد.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الملك ٢٣–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره، يبتغون عندهم نصرا ورزقا، منكرا عليهم فيما اعتقدوه، ومخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن} أي: ليس لكم من دونه من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره؛ ولهذا قال: {إن الكافرون إلا في غرور} ثم قال: {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} ؟! أي: من هذا الذي إذا قطع الله رزقه عنكم يرزقكم بعده؟! أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق، وينصر إلا الله، عز وجل، وحده لا شريك له، أي: وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره؛ ولهذا قال: {بل لجوا} أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم {في عتو ونفور} أي: في معاندة واستكبارا ونفورا على أدبارهم عن الحق، [أي] (1) لا يسمعون له ولا يتبعونه. ثم قال: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} ؟ : وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي: يمشي منحنيا لا مستويا على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى {أمن يمشي سويا} أي: منتصب القامة {على صراط مستقيم} أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة. هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة. فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم، {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون} قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: "أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم" (2) . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٣٤) ↗التحرير والتنوير
والانتقال هنا إلى الاستدلال بفروع المخلوقات بعد الاستدلال بأصولها، ومن الاستدلال بفروع أعراض الإنسان بعد أصلها، فمن الاستدلال بخلق السماوات والأرض والموت والحياة، إلى الاستدلال بخلق الإنسان ومداركه، وقد أتبع الأمر بالقول بخمسة مثله بطريقة التكرير بدون عاطف اهتماما بما بعد كل أمر من مقالة يبلغها إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال: هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار، الخ. والضمير هو إلى الرحمن من قوله: من دون الرحمن [الملك: 20] . والإنشاء: الإيجاد. وإفراد السمع لأن أصله مصدر، أي جعل لكم حاسة السمع، وأما الأبصار فهو جمع البصر بمعنى العين، وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في سورة البقرة [7] والأفئدة القلوب، والمراد بها العقول، وهو إطلاق شائع في استعمال العرب. والقصر المستفاد من تعريف المسند إليه والمسند في قوله: هو الذي أنشأكم إلى آخره قصر إفراد بتنزيل المخاطبين لشركهم منزلة من يعتقد أن الأصنام شاركت الله في الإنشاء وإعطاء الإحساس والإدراك. وقليلا ما تشكرون حال من ضمير المخاطبين، أي أنعم عليكم بهذه النعم في حال إهمالكم شكرها. وما مصدرية والمصدر المنسبك في موضع فاعل قليلا لاعتماد قليلا على صاحب حال. وقليلا صفة مشبهة. وقد استعمل قليلا في معنى النفي والعدم، وهذا الإطلاق من ضروب الكناية والاقتصاد في الحكم على طريقة التمليح وتقدم عند قوله تعالى: فقليلا ما يؤمنون في [البقرة: 88] وقوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا في سورة النساء [155] ، وتقول العرب: هذه أرض قلما تنبت. [24] قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٧) ↗