سورة التحريم · الآية ١٢
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذان المثلان اللذان ضربهما الله للمؤمنين والكافرين، ليبين لهم أن اتصال الكافر بالمؤمن وقربه منه لا يفيده شيئا، وأن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا مع قيامه بالواجب عليه. فكأن في ذلك إشارة وتحذيرا لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم عن المعصية، وأن اتصالهن به صلى الله عليه وسلم لا ينفعهن شيئا مع الإساءة، فقال: { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا } أي: المرأتان { تحت عبدين من عبادنا صالحين } وهما نوح ولوط عليهما السلام. { فخانتاهما } في الدين، بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا هو المراد بالخيانة، لا خيانة النسب والفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، وما كان الله ليجعل امرأة أحد من أنبيائه بغيا، { فلم يغنيا } أي: نوح ولوط { عنهما } أي: عن امرأتيهما { من الله شيئا وقيل } لهما { ادخلا النار مع الداخلين }. { وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون } وهي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها، { إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } فوصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وسؤالها لربها أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء، إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". [وقوله:] { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها } أي: صانته وحفظته عن الفاحشة، لكمال ديانتها، وعفتها، ونزاهتها. { فنفخنا فيه من روحنا } بأن نفخ جبريل [عليه السلام] في جيب درعها، فوصلت نفخته إلى مريم، فجاء منها عيسى ابن مريم [عليه السلام]، الرسول الكريم والسيد العظيم. { وصدقت بكلمات ربها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28] . قال: قتادة كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. وقال ابن جرير: حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي (1) عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي، به (2) . ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقالت: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح (3) . فقولها: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع، {ونجني من فرعون وعمله} أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] (4) من عمله، {ونجني من القوم الظالمين} وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم، رضي الله عنها. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت تعس من كفر بالله؟ فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
ولعل امرأة فرعون هذه كانت من بنات إسرائيل تزوجها فرعون فكانت مؤمنة برسالة موسى عليه السلام. وقد حكى بعض المفسرين أنها عمة موسى، أو تكون هداها الله إلى الإيمان بموسى كما هدى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي تقدم ذكره في سورة غافر. وسماها النبيء صلى الله عليه وسلم آسية في قوله: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون» رواه البخاري. وأرادت بعمل فرعون ظلمه، أي نجني من تبعة أعماله فيكون معنى نجني من فرعون من صحبته طلبت لنفسها فرجا وهو من عطف الخاص على العام. ومعنى قالت أنها أعلنت به، فقد روي أن فرعون اطلع عليها وأعلن ذلك لقومه وأمر بتعذيبها فماتت في تعذيبه ولم تحس ألما. والقوم الظالمون: هم قوم فرعون. وظلمهم: إشراكهم بالله. والظاهر أن قولها: ابن لي عندك بيتا في الجنة مؤذن بأن فرعون وقومه صدوها عن الإيمان به وزينوا لها أنا إن آمنت بموسى تضيع ملكا عظيما وقصرا فخيما أو أن فرعون وعظها بأنها إن أصرت على ذلك تقتل، فلا يكون مدفنها الهرم الذي بناه فرعون لنفسه لدفنه في بادىء الملوك. ويؤيد هذا ما رواه المفسرون أن بيتها في الجنة من درة واحدة فتكون مشابهة الهرم الذي كان معدا لحفظ جثتها بعد موتها وزوجها. فقولها ذلك كقول السحرة الذين آمنوا جوابا عن تهديد فرعون لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض الآية في سورة طه [72] . [12] ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) عطف على امرأت فرعون، أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران، فضرب مثلين في الشر ومثلين في الخير. ومريم ابنة عمران تقدم الكلام على نسبها وكرامتها في سورة آل عمران وغيرها،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٣٧٧) ↗