سورة الطلاق · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء } أي: أردتم طلاقهن { ف } التمسوا لطلاقهن الأمر المشروع، ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه، من غير مراعاة لأمر الله. بل { طلقوهن لعدتهن } أي: لأجل عدتهن، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين و [لا] يتضح بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملا فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، [وحقها في النفقة ونحوها] فإذا ضبطت عدتها، علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر بإحصاء العدة، يتوجه [للزوج]، وللمرأة، إن كانت مكلفة، وإلا فلوليها، وقوله: { واتقوا الله ربكم } أي: في جميع أموركم، وخافوه في حق الزوجات المطلقات، ف { لا تخرجوهن من بيوتهن } مدة العدة، بل يلزمن بيوتهن الذي طلقها زوجها وهي فيها. { ولا يخرجن } أي: لا يجوز لهن الخروج منها، أما النهي عن إخراجها، فلأن المسكن يجب على الزوج للزوجة، لتكمل فيه عدتها التي هي حق من حقوقه. وأما النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه. ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، والإخراج إلى تمام العدة. { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، وهذا في المعتدة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ومن ها هنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه-إلى وجوب الإشهاد في الرجعة، كما يجب عنده في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها. وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} أي: ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو علي هذه الآية: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} حتى فرغ من الآية، ثم قال: "يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم". وقال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: "يا أبا ذر، كيف تصنع إن (1) أخرجت من المدينة؟. "قلت: إلى السعة والدعة (2) أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال: "كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ ". قال: قلت: إلى السعة والدعة، وإلى الشام والأرض المقدسة. قال: "وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ ". قلت: إذا -والذي بعثك بالحق (3) -أضع سيفي على عاتقي. قال: "أوخير من ذلك؟ ". قلت: أوخير من ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع، وإن كان عبدا حبشيا" (4) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شتير (5) بن شكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] وإن أكثر آية في القرآن فرجا: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} وفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (6) وقال …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
… قوله: لا تدري لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قصر بصره إلى حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط فكره بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما قال تعالى: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. [النساء: 19] . ولعل كلمة لا تدري تجري مجرى المثل فلا يراد مما فيها من علامة الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على توجيه الخطاب لغير معين. ولعل ومعمولاها سادة معلقة فعل تدري عن العمل. [2، 3] 3] فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف. تفريع على جميع ما تقدم من أحكام العدة معطوف على جملة وأحصوا العدة [الطلاق: 1] لأن إحصاءها بحفظ مدتها واستيعاب أيامها فإذا انتهت المدة فقد أعذر الله لهما والزيادة عليها إضرار بأحدهما أو بكليهما وفائدة الآجال الوقوف عند انتهائها. وبلوغ الأجل أصله انتهاء المدة المقدرة له كما يؤذن به معنى البلوغ الذي هو الوصول إلى المطلوب على تشبيه الأجل المعين بالمكان المسير إليه وشاع ذلك في الاستعمال فالمجاز في لفظ الأجل وتبعه المجاز في البلوغ وقد استعمل البلوغ في هذه الآية في مقاربة ذلك الانتهاء مبالغة في عدم التسامح فيه وهذا الاستعمال مجاز آخر لمشابهة مقاربة الشيء بالحصول فيه والتلبس به. وقرينة المجاز هنا هو لفظ الأجل لأنه لا تتصور المراجعة بعد بلوغ الأجل لأن في ذلك رفع معنى التأجيل. ومنه قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗