البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التغابن · الآية ٣

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذه الآيات [الكريمات]، مشتملات على جملة كثيرة واسعة، من أوصاف الباري العظيمة، فذكر كمال ألوهيته تعالى، وسعة غناه، وافتقار جميع الخلائق إليه، وتسبيح من في السماوات والأرض بحمد ربها، وأن الملك كله لله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله له، حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد على ما أوجده من الأشياء، وحمد على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم. وقدرته شاملة، لا يخرج عنها موجود، فلا يعجزه شيء يريده، وذكر أنه خلق العباد، وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله بقضاء الله وقدره، وهو الذي شاء ذلك منهم، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بها يتمكنون من كل ما يريدون من الأمر والنهي، { والله بما تعملون بصير }. فلما ذكر خلق الإنسان المكلف المأمور المنهي، ذكر خلق باقي المخلوقات، فقال: { خلق السموت والأرض } أي: أجرامهما، [وجميع] ما فيهما فأحسن خلقهما، { بالحق } أي: بالحكمة والغاية المقصودة له تعالى، { وصوركم فأحسن صوركم } كما قال تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] فالإنسان أحسن المخلوقات صورة، وأبهاها منظرا. { وإليه المصير } أي: المرجع يوم القيامة، فيجازيكم على إيمانكم وكفركم، ويسألكم عن النعم والنعيم، الذي أولاكموه، هل قمتم بشكره، أم لم تقوموا بشكره؟ ثم ذكر عموم علمه، فقال: { يعلم ما في السموت والأرض } أي: من السرائر والظواهر، والغيب والشهادة. { ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من الأسرار الطيبة، والخبايا الخبيثة، والنيات الصالحة، والمقاصد الفاسدة، فإذا كان عليما بذات الصدور، تعين على العاقل البصير، أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه، من الأخلاق الرذيلة، واتصافه بالأخلاق الجميلة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التغابن ١–٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 6-8] وكقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات} الآية [غافر: 64] وقوله: {وإليه المصير} أي: المرجع والمآب. ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية، فقال: {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} يقول تعالى مخبرا عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال؛ في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل} أي: خبرهم وما كان من أمرهم، {فذاقوا وبال أمرهم} أي: وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي {ولهم عذاب أليم} أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي. ثم علل ذلك فقال: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج والدلائل والبراهين {فقالوا أبشر يهدوننا} ؟ أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، {فكفروا وتولوا} أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل، {واستغنى الله} أي: عنهم {والله غني حميد} يقول تعالى مخبرا عن المشركين والكفار والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} أي: لتخبرن بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، {وذلك على الله يسير} أي: بعثكم ومجازاتكم. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه، عز وجل، على وقوع المعاد ووجوده فالأولى في سورة يونس: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53] والثانية في سورة سبأ: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} الآية [سبأ: 3]

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٣٦) ↗

التحرير والتنوير

[3] 3] خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) خلق السماوات والأرض. استئناف بياني ناشىء عن قوله: فمنكم كافر ومنكم مؤمن [التغابن: 2] يبين أن انقسامهم إلى قسمي الكافرين والمؤمنين نشأ عن حياد فريق من الناس عن الحق الذي أقيم عليه خلق السماوات والأرض لأن الحق أن يؤمن الناس بوجود خالقهم، وبأنه واحد وأن يفردوه بالعبادة فذلك الذي أراده الله من خلقهم، قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] . وقال: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] فمن حاد عن الإيمان ومال إلى الكفر فقد حاد عن الحق والفطرة. بالحق. وقوله: بالحق معترض بين جملة خلق السماوات والأرض وجملة وصوركم. وفي قوله: بالحق إيماء إلى إثبات البعث والجزاء لأن قوله بالحق متعلق بفعل خلق تعلق الملابسة المفاد بالباء، أي خلقا ملابسا للحق، والحق ضد الباطل، ألا ترى إلى قوله: إن في خلق السماوات والأرض إلى قوله: ربنا ما خلقت هذا باطلا [آل عمران: 190، 191] . والباطل مصدقه هنالك هو العبث لقوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق [الدخان: 38، 39] فتعين أن مصدق الحق في قوله: خلق السماوات والأرض بالحق أنه ضد العبث والإهمال. والمراد ب خلق السماوات والأرض خلق ذواتهن وخلق ما فيهن من المخلوقات كما أنبأ عنه قوله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق، أي ما خلقناهما وما بينهما إلا بالحق، فكذلك يكون التقدير في الآية من هذه السورة. وملابسة الحق لخلق السماوات والأرض يلزم أن تكون ملابسة عامة مطردة لأنه لو اختلت ملابسة حال من أحوال مخلوقات السماوات للحق لكان ناقضا لمعنى ملابسة خلقها للحق، فكان نفي البعث للجزاء على أعمال المخلوقات موجبا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٦٤) ↗