سورة التغابن · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى بتقواه، التي هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويقيد ذلك بالاستطاعة والقدرة. فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد، أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". ويدخل تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع، ما لا يدخل تحت الحصر، وقوله: { واسمعوا } أي: اسمعوا ما يعظكم الله به، وما يشرعه لكم من الأحكام، واعلموا ذلك وانقادوا له، { وأطيعوا } الله ورسوله في جميع أموركم، { وأنفقوا } من النفقات الشرعية الواجبة والمستحبة، يكن ذلك الفعل منكم خيرا لكم في الدنيا والآخرة، فإن الخير كله في امتثال أوامر الله تعالى، وقبول نصائحه، والانقياد لشرعه، والشر كله، في مخالفة ذلك. ولكن ثم آفة تمنع كثيرا من الناس، من النفقة المأمور بها، وهو الشح المجبولة عليه أكثر النفوس، فإنها تشح بالمال، وتحب وجوده، وتكره خروجه من اليد غاية الكراهة. فمن وقاه الله شر شح نفسه بأن سمحت نفسه بالإنفاق النافع لها { فأولئك هم المفلحون } لأنهم أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب، بل لعل ذلك شامل لكل ما أمر به العبد، ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما قبلها، لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة، وإن كانت نفسه نفسا سمحة مطمئنة منشرحة لشرع الله، طالبة لمرضاة الله، فإنها ليس بينها وبين فعل ما كلفت به إلا العلم به، ووصول معرفته إليها، والبصيرة بأنه مرض لله تعالى، وبذلك تفلح وتنجح وتفوز كل الفوز. ثم رغب تعالى في النفقة، فقال: { إن تقرضوا الله قرضا حسنا } وهو كل نفقة كانت من الحلال، إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى وطلب مرضاته، ووضعها في موضعها { يضاعفه لكم } النفقة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. { و } مع المضاعفة أيضا { يغفر لكم } بسبب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد: إن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهى به عن العمل الصالح، كقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] ؛ ولهذا قال هاهنا: {فاحذروهم} قال ابن زيد: يعني على دينكم. وقال مجاهد: {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني (1) حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس -وسأله رجل عن هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} -قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى، عن الفريابي -وهو محمد بن يوسف-به (2) وقال حسن صحيح. ورواه ابن جرير والطبراني، من حديث إسرائيل، به (3) وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء. وقوله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة، أي: اختبار وابتلاء من الله لخلقه. ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وقوله: {والله عنده} أي: يوم القيامة {أجر عظيم} كما قال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث+ [ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} والتي بعدها] [آل عمران: 14، 15] (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، سمعت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مكان الواحد سبع مائة ضعف إلى أكثر من ذلك مما يشاء من التضعيف {يغفر لكم ذنوبكم} [الصف: 12] فيصفح لكم عن عقوبتكم عليها مع تضعيفه نفقتكم التي تنفقون في سبيله {والله شكور} [التغابن: 17] يقول: والله ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، بحسن الجزاء لهم على ما أنفقوا في الدنيا في سبيله {حليم} [البقرة: 225] يقول: حليم عن أهل معاصيه بترك معاجلتهم بعقوبته. {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يقول: عالم ما لا تراه أعين عباده ويغيب عن أبصارهم وما يشاهدونه فيرونه بأبصارهم {العزيز} [البقرة: 129] يعني الشديد في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره ونهيه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما يصلحهم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢١) ↗التحرير والتنوير
إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) استئناف بياني ناشىء عن قوله: وأنفقوا خيرا لأنفسكم [التغابن: 16] ، فإن مضاعفة الجزاء على الإنفاق مع المغفرة خير عظيم، وبهذا الموقع يعلم السامع أن القرض أطلق على الإنفاق المأمور به إطلاقا بالاستعارة، والمقصود الاعتناء بفضل الإنفاق المأمور به اهتماما مكررا فبعد أن جعل خيرا جعل سبب الفلاح وعرف بأنه قرض من العبد لربه وكفى بهذا ترغيبا وتلطفا في الطلب إذ جعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى مالا وذلك من معنى الإحسان في معاملة العبد ربه وقد بينه النبيء صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل إذ قال جبريل للنبيء عليهما الصلاة والسلام: أخبرني عن الإحسان فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فمما ينضوي تحت معنى عبادة الله عبادة من يراه أن يستشعر العبد أن امتثال أمر ربه بالإنفاق المأمور به منه كأنه معاملة بين مقرض ومستقرض. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة في سورة البقرة [245] . وقرأ الجمهور يضاعفه بألف بعد الضاد وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعفه بتشديد العين مضارع ضعف، وهما بمعنى واحد وهو لفظي الضعف. والمضاعفة: إعطاء الضعف بكسر الضاد وهو مثل الشيء في الذات أو الصفة. وتصدق بمثل وبعده أمثال كما قال تعالى: أضعافا كثيرة [البقرة: 245] . وجعل الإنفاق سبب للغفران كما قال النبيء صلى الله عليه وسلم «الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفىء الماء النار» . والشكور: فعول بمعنى فاعل مبالغة، أي كثير الشكر وأطلق الشكر فيه على الجزاء بالخير على فعل الصالحات تشبيها لفعل المتفضل بالجزاء بشكر المنعم عليه على نعمة ولا نعمة على الله فيما يفعله عباده من الصالحات. فإنما نفعها لأنفسهم ولكن الله تفضل بذلك حثا على صلاحهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗