سورة التغابن · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } لأن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التغابن ١٤–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه". قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: "غشمه وظلمه، ولا يكسب (1) عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل (2) منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" (3) . والصحيح القول الأول؛ قال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} الآية. قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل، أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ثم رواه (4) ابن جرير، وابن ماجه، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٦٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الحقوق التي فرضناها عليكم. وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} [البقرة: 254] قال: " من الزكاة والتطوع {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] يقول: ادخروا لأنفسكم عند الله في دنياكم من أموالكم بالنفقة منها في سبيل الله، والصدقة على أهل المسكنة والحاجة، وإيتاء ما فرض الله عليكم فيها، وابتاعوا بها ما عنده مما أعده لأوليائه من الكرامة، بتقديم ذلك لأنفسكم ما دام لكم السبيل إلى ابتياعه بما ندبتكم إليه، وأمرتكم به من النفقة من أموالكم. {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} [البقرة: 254]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٤/٥٢٣) ↗التحرير والتنوير
بما يصيبه في جانب طاعة الله من مصائب وأذى كما قال حبيب بن عدي: لست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان لله مصرعي ويجوز أن تكون جملة الله لا إله إلا هو في موقع العلة لجملة وأطيعوا الله [التغابن: 12] وتفيد أيضا تعليل جملة وأطيعوا الرسول [التغابن: 12] لأن طاعة الرسول ترجع إلى طاعة الله قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80] . وافتتاح الجملة باسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار إذ لم يقل هو لا إله إلا هو لاستحضار عظمة الله تعالى بما يحويه اسم الجلالة من معاني الكمال، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتكون جارية مجرى الأمثال والكلم الجوامع. وعلى الله فليتوكل المؤمنون. عطف على وأطيعوا الله فهو في معنى: وتوكلوا على الله، فإن المؤمنين يتوكلون على الله لا على غيره وأنتم مؤمنون فتوكلوا عليه. وتقدم المجرور لإفادة الاختصاص، أي أن المؤمنين لا يتوكلون إلا على الله. وجيء في ذلك بصيغة أمر المؤمنين بالتوكل على الله دون غيره ربطا على قلوبهم وتثبيتا لنفوسهم كيلا يأسفوا من إعراض المشركين وما يصيبهم منهم وأن ذلك لن يضرهم. فإن المؤمنين لا يعتزون بهم ولا يتقوون بأمثالهم، لأن الله أمرهم أن لا يتوكلوا إلا عليه، وفيه إيذان بأنهم يخالفون أمر الله وذلك يغيظ الكافرين. والإتيان باسم الجلالة في قوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة فتسير مسرى المثل، ولذلك كان إظهار لفظ المؤمنون ولم يقل: وعلى الله فليتوكلوا، ولما في المؤمنون من العموم الشامل للمخاطبين وغيرهم ليكون معنى التمثيل. [14] 14] يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٨٢) ↗