البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التغابن · الآية ١٢

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } هذا عام لجميع المصائب، في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم، فجميع ما أصاب العباد فبقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علم الله [تعالى]، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، والشأن كل الشأن، هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها؟ فإن قام بها، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من عند الله، فرضي بذلك، وسلم لأمره، هدى الله قلبه، فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب، كما يجري لمن لم يهد الله قلبه، بل يرزقه الثبات عند ورودها والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخر الله له يوم الجزاء من الثواب، كما قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10] وعلم من هذا أن من لم يؤمن بالله عند ورود المصائب، بأن لم يلحظ قضاء الله وقدره، بل وقف مع مجرد الأسباب، أنه يخذل، ويكله الله إلى نفسه، وإذا وكل العبد إلى نفسه، فالنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة، على ما فرط في واجب الصبر. هذا ما يتعلق بقوله: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } في مقام المصائب الخاص، وأما ما يتعلق بها من حيث العموم اللفظي، فإن الله أخبر أن كل من آمن أي: الإيمان المأمور به من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وصدق إيمانه بما يقتضيه الإيمان من القيام بلوازمه وواجباته، أن هذا السبب الذي قام به العبد أكبر سبب لهداية الله له في أحواله وأقواله وأفعاله، وفي علمه وعمله. وهذا أفضل جزاء يعطيه الله لأهل الإيمان، كما قال تعالى في الأخبار: أن المؤمنين يثبتهم الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وأصل الثبات: ثبات القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، فقال: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] فأهل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال الأعمش، عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير (1) وابن أبي حاتم (2) وقال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يعني: يسترجع، يقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] وفي الحديث المتفق عليه: "عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" (3) وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح؛ أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله". قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله. قال: "لا تتهم الله في شيء، قضى لك به". لم يخرجوه (4) وقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى (5) وزجر، ثم قال: {فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} أي: إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (6) ثم قال تعالى مخبرا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٣٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أدبرتم عن طاعة الله وطاعة رسوله مستكبرين عنها، فلم تطيعوا الله ولا رسوله فإنما فليس على رسولنا محمد إلا البلاغ المبين أنه بلاغ إليكم لما أرسلته به يقول جل ثناؤه: فقد أعذر إليكم بالإبلاغ والله ولي الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره، وتولى عنه.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٣) ↗

التحرير والتنوير

والمعنى: أن المؤمن مرتاض بالأخلاق الإسلامية متبع لوصايا الله تعالى فهو مجاف لفاسد الأخلاق من الجزع والهلع يتلقى ما يصيبه من مصيبة بالصبر والتفكر في أن الحياة لا تخلو من عوارض مؤلمة أو مكدرة. قال تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة: 155- 157] ، أي أصحاب الهدى الكامل لأنه هدى متلقى من التعاليم الإلهية الحق المعصومة من الخطل كقوله هنا: يهد قلبه. وهذا الخبر في قوله: ومن يؤمن بالله يهد قلبه إيماء إلى الأمر بالثبات والصبر عند حلول المصائب لأنه يلزم من هدي الله قلب المؤمن عند المصيبة ترغيب المؤمنين في الثبات والتصبر عند حلول المصائب فلذلك ذيل بجملة والله بكل شيء عليم فهو تذييل للجملة التي قبلها وارد على مراعاة جميع ما تضمنته من أن المصائب بإذن الله، ومن أن الله يهدي قلوب المؤمنين للثبات عند حلول المصائب ومن الأمر بالثبات والصبر عند المصائب، أي يعلم جميع ذلك. وفيه كناية عن مجازاة الصابرين بالثواب لأن فائدة علم الله التي تهم الناس هو التخلق ورجاء الثواب ورفع الدرجات. [12] 12] وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين (12) عطف على جملة ومن يؤمن بالله يهد قلبه [التغابن: 11] لأنها تضمنت أن المؤمنين متهيئون لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما يدعوانهم إليه من مصالح الأعمال كما يدل عليه تذييل الكلام بقوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 122] ، ولأن طلب الطاعة فرع عن تحقق الإيمان كما في حديث معاذ «أن النبيء صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: إنك ستأتي قوما أهل كتاب فأول ما تدعوهم إليه فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة» الحديث.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٨٠) ↗