سورة الجمعة · الآية ٨
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها ويعملوا بما فيها، وانهم لم يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود، الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به. { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى مصالحهم ما دام الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، ومن ظلم اليهود وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء الله من دون الناس. ولهذا أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: { فتمنوا الموت } وهذا أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلا على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه، ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده، ولهذا قال: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الذنوب والمعاصي التي يستوحشون من الموت من أجلها، { والله عليم بالظالمين } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء، هذا وإن كانوا لا يتمنون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من (4) النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا. رواه البخاري والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، [به] (5) (6) قال البخاري: "وتبعه (7) عمرو بن خالد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم". ورواه النسائي، أيضا عن عبد الرحمن بن عبد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به أتم (8) وقوله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} كقوله تعالى في سورة النساء: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ محمد بن محمد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا: "مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني. فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١١٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ملاقيكم ونازل بكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ثم يردكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السموات والأرض؛ والشهادة: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة: {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} [الجمعة: 8] فقال: إن الله أذل ابن آدم بالموت. لا أعلمه إلا رفعه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٣٦) ↗التحرير والتنوير
و (ما) موصولة وعائدة الصلة محذوف وحذفه أغلبي في أمثاله. والأيدي مجاز في اكتساب الأعمال لأن اليد يلزمها الاكتساب غالبا. ومصدق «ما قدمت أيديهم» سيئاتهم ومعاصيهم بقرينة المقام. وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة وما ذكرته هنا أتم مما هنالك فأجمع بينهما. والتقديم: أصله جعل الشيء مقدما، أي سابقا غيره في مكان يقعوه فيه غيره. واستعير هنا لما سلف من العمل تشبيها له بشيء يسبقه المرء إلى مكان قبل وصوله إليه. وجملة والله عليم بالظالمين، أي عليم بأحوالهم وبأحوال أمثالهم من الظالمين فشمل لفظ الظالمين اليهود فإنهم من الظالمين. وقد تقدم معنى ظلمهم في الآية قبلها. وقد وصف اليهود بالظالمين في آيات كثيرة، وتقدم عند قوله تعالى: ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله [البقرة: 140] والمقصود أن إحجامهم عن تمني الموت لما في نفوسهم من خوف العقاب على ما فعلوه في الدنيا، فكني بعلم الله بأحوالهم عن عدم انفلاتهم من الجزاء عليها ففي هذا وعيد لهم. [8] قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) تصريح بما اقتضاه التذييل من الوعيد وعدم الانفلات من الجزاء عن أعمالهم ولو بعد زمان وقوعها لأن طول الزمان لا يؤثر في علم الله نسيانا، إذ هو عالم الغيب والشهادة. وموقع هذه الجملة موقع بدل الاشتمال من جملة فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [الجمعة: 6] ، وإعادة فعل قل من قبيل إعادة العامل في المبدل منه كقوله تعالى: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا في سورة العقود [114] . ووصف الموت ب الذي تفرون منه للتنبيه على أن هلعهم من الموت خطأ كقول علقمة:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢١٨) ↗