سورة الجمعة · الآية ٦
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها ويعملوا بما فيها، وانهم لم يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود، الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به. { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى مصالحهم ما دام الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، ومن ظلم اليهود وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء الله من دون الناس. ولهذا أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: { فتمنوا الموت } وهذا أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلا على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه، ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده، ولهذا قال: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الذنوب والمعاصي التي يستوحشون من الموت من أجلها، { والله عليم بالظالمين } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء، هذا وإن كانوا لا يتمنون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين {إن كنتم صادقين} فيما تزعمونه. قال الله تعالى: {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} أي: بما يعلمون لهم (1) من الكفر والظلم والفجور، {والله عليم بالظالمين} وقد قدمنا في سورة "البقرة" الكلام على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون} [البقرة: 94 -96] وقد أسلفنا الكلام هناك وبينا أن المراد أن يدعوا على الضال (2) من أنفسهم أو خصومهم، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] ومباهلة المشركين في سورة مريم: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75] وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن (3) عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من (4) النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا. رواه البخاري والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، [به] (5) (6) قال البخاري: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{فتمنوا الموت} [البقرة: 94] إن كنتم صادقين في قيلكم، إنكم أولياء لله من دون الناس، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم وينعمهم، وإن كنتم محقين فيما تقولون فتمنوا الموت لتستريحوا من كرب الدنيا وهمومها وغمومها، وتصيروا إلى روح الجنان ونعيمها بالموت. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل يا أيها الذين هادوا} [الجمعة: 6] قل يا أيها الذين تابوا: لليهود، قال موسى: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] : إنا تبنا إليك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٣٥) ↗التحرير والتنوير
على الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب دون نظر، وعلى آيات الله بالجحد دون تدبر. قال في «الكشاف» : «وعن بعضهم قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث» ، أي آيات من هذه السورة: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [الجمعة: 6] . وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة. [6] 6] قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) أعقب تمثيل حال جهلهم بالتوراة بذكر زعم من آثار جهلهم بها إبطالا لمفخرة مزعومة عندهم أنهم أولياء الله وبقية الناس ليسوا مثلهم. وذلك أصل كانوا يجعلونه حجة على أن شؤونهم أفضل من شؤون غيرهم. ومن ذلك أنهم كانوا يفتخرون بأن الله جعل لهم السبت أفضل أيام الأسبوع وأنه ليس للأميين مثله فلما جعل الله الجمعة للمسلمين اغتاظوا، وفي «الكشاف» «افتخر اليهود بالسبت وأنه للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة» . وافتتح بفعل قل للاهتمام. والذين هادوا: هم الذين كانوا يهودا، وتقدم وجه تسمية اليهود يهودا عند قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا في سورة البقرة [62] . ويجوز أن يكون هادوا بمعنى تابوا لقول موسى عليه السلام بعد أن أخذتهم الرجفة: إنا هدنا إليك كما تقدم في سورة الأعراف [156] . وأشهر وصف بني إسرائيل في القرآن بأنهم هود جمع هائد مثل قعود جمع قاعد. وأصل هود هوود وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علما بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به هنا بهذا الاعتبار لأن المقام ليس مقام ثناء عليهم أو هو تهكم. وجيء ب إن الشرطية التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط مع أن الشرط هنا محقق الوقوع إذ قد اشتهروا بهذا الزعم وحكاه القرآن عنهم في سورة العقود
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢١٥) ↗