البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الممتحنة · الآية ١١

﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما كان صلح الحديبية، صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، على أن من جاء منهم إلى المسلمين مسلما، أنه يرد إلى المشركين، وكان هذا لفظا عاما، [مطلقا] يدخل في عمومه النساء والرجال، فأما الرجال، فإن الله لم ينه رسوله عن ردهم إلى المشركين وفاء بالشرط وتتميما للصلح الذي هو من أكبر المصالح، وأما النساء فلما كان ردهن فيه مفاسد كثيرة، أمر الله المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وشكوا في صدق إيمانهن، أن يمتحنوهن ويختبروهن، بما يظهر به صدقهن، من أيمان مغلظة وغيرها، فإنه يحتمل أن يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية. فإن كن بهذا الوصف، تعين ردهن وفاء بالشرط، من غير حصول مفسدة، وإن امتحنوهن فوجدن صادقات، أو علموا ذلك منهن من غير امتحان، فلا يرجعوهن إلى الكفار، { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } فهذه مفسدة كبيرة في ردهن راعاها الشارع، وراعى أيضا الوفاء بالشرط، بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه عوضا عنهن، ولا جناح حينئذ على المسلمين أن ينكحوهن ولو كان لهن أزواج في دار الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن من المهر والنفقة، وكما أن المسلمة لا تحل للكافر، فكذلك الكافرة لا تحل للمسلم أن يمسكها ما دامت على كفرها، غير أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وإذا نهى عن الإمساك بعصمتها فالنهي عن ابتداء تزويجها أولى، { واسألوا مآ أنفقتم } أيها المؤمنون، حين ترجع زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من أسلمت من نسائهم، استحق المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من نسائهم إلى الكفار، وفي هذا دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم، فإذا أفسد مفسد نكاح امرأة رجل، برضاع أو غيره، كان عليه ضمان المهر، وقوله: ذلكم الحكم الذي ذكره الله وبينه لكم يحكم به بينكم، { والله عليم حكيم } فيعلم تعالى، ما يصلح …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تقدم في سورة "الفتح" ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فكان فيه: "على ألا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك-إلا رددته إلينا". وفي رواية: "على أنه لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك-إلا رددته إلينا". وهذا قول عروة، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد، والزهري، ومقاتل، والسدي. فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله، عز وجل، أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن. وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، من المسند الكبير، من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مجمع بن يعقوب، عن حسين بن أبي لبانة، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان (1) . قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة عن حصين، عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهن: بالله ما خرجت من بغض زوج؟ وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض؟ وبالله ما خرجت التماس دنيا؟ وبالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله؟ (2) . ثم رواه من وجه آخر، عن الأغر بن الصباح، به. وكذا رواه البزار من طريقه، وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له عمر بن الخطاب (3) . وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الكفار فلحق بهم. واختلف أهل التأويل في الكفار الذين عنوا بقوله: {إلى الكفار} [الممتحنة: 10] من هم؟ فقال بعضهم: هم الكفار الذين لم يكن بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، قالوا: ومعنى الكلام: وإن فاتكم شيء من أزواجكم، إلى من ليس بينكم وبينهم عهد من الكفار.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٨٨) ↗

التحرير والتنوير

ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. أي هذا حكم الله، وهو عدل بين الفريقين إذ ليس لأحد أن يأخذ بأحد جانبيه ويترك الآخر. قال الزهري: لولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إلى أزواجهم صداق. وجملة يحكم بينكم يجوز كونها حالا من اسم الجلالة أو حالا من حكم الله مع تقدير ضمير يربط الجملة بصاحب الحال تقديره: يحكمه بينكم، وأن تكون استئنافا. وقوله: والله عليم حكيم تذييل يشير إلى أن هذا حكم يقتضيه علم الله بحاجات عباده وتقتضيه حكمته إذ أعطى كل ذي حق حقه. وقد كانت هذه الأحكام التي في هذه الآيات من التراد في المهور شرعا في أحوال مخصوصة اقتضاها اختلاط الأمر بين أهل الشرك والمؤمنين وما كان من عهد المهادنة بين المسلمين والمشركين في أوائل أمر الإسلام خاصا بذلك الزمان بإجماع أهل العلم، قاله ابن العربي والقرطبي وأبو بكر الجصاص. [11] 11] وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) عطف على جملة وسئلوا ما أنفقتم [الممتحنة: 10] فإنها لما ترتب على نزولها إباء المشركين من أن يردوا إلى أزواج النساء اللاء بقين على الكفر بمكة واللاء فررن من المدينة والتحقن بأهل الكفر بمكة مهورهن التي كانوا أعطوها نساءهم، عقبت بهذه الآية لتشريع رد تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم. روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من التراد بين الفريقين في قوله تعالى: وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا [الممتحنة: 10] . فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الآية.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٦١) ↗