البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٩٤

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما، ولا أكبر جرما ممن كذب [على] الله، بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق، لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها وفروعها، ونسبة ذلك إلى الله -ما هو من أكبر المفاسد. ويدخل في ذلك ادعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك، فإنه - مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته وسلطانه - يوجب على الخلق أن يتبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم. ويدخل في هذه الآية كل من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار، وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف. { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } أي: ومن أظلم ممن زعم، أنه يقدر على ما يقدر الله عليه، ويجاري الله في أحكامه، ويشرع من الشرائع كما شرعه الله، ويدخل في هذا كل من يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه في إمكانه أن يأتي بمثله. وأي: ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات، الناقص من كل وجه، مشاركة القوي الغني، الذي له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، في ذاته وأسمائه وصفاته؟!! ولما ذم الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة، فقال: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكربه الشنيعة - لرأيت أمرا هائلا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. { والملائكة باسطوا أيديهم } إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان: { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون } أي: العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } من كذبكم عليه، وردكم للحق، الذي جاءت به الرسل. { وكنتم عن آياته تستكبرون } أي: ترفعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها. وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق [وكنتم عن آياته تستكبرون] } (5) أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله. وقد وردت أحاديث [متواترة] (6) في كيفية احتضار المؤمن والكافر، وهي مقررة عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] . وقد ذكر ابن مردويه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، فالله أعلم (7) وقوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} [الكهف: 48] ، أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث. وقوله: {وتركتم ما خولناكم} أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا {وراء ظهوركم} وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٠٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الآلهة والأنداد، يخبر عباده أنه يقول لهم عند ورودهم عليه: {لقد جئتمونا فرادى} [الأنعام: 94] ، ويعني بقوله: (فرادى) : وحدانا، لا مال معهم، ولا أثاث، ولا رفيق، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا. {كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] عراة غلفا غرلا حفاة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٤١٣) ↗

التحرير والتنوير

وجواب (لو) محذوف لقصد التهويل. والمعنى: لرأيت أمرا مفظعا. وحذف جواب (لو) في مثل هذا المقام شائع في القرآن. وتقدم عند قوله تعالى: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب في سورة البقرة [165] . [94] ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) إن كان القول المقدر في جملة أخرجوا أنفسكم [الأنعام: 93] قولا من قبل الله تعالى كان قوله ولقد جئتمونا فرادى عطفا على جملة أخرجوا أنفسكم [الأنعام: 93] ، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب: أخرجوا أنفسكم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فرادى. فالجملة في محل النصب بالقول المحذوف. وعلى احتمال أن يكون غمرات الموت [الأنعام: 93] حقيقة، أي في حين النزع يكون فعل جئتمونا من التعبير بالماضي عن المستقبل القريب، مثل: قد قامت الصلاة، فإنهم حينئذ قاربوا أن يرجعوا إلى محض تصرف الله فيهم. وإن كان القول المقدر قول الملائكة فجملة: ولقد جئتمونا فرادى عطف على جملة: ولو ترى إذ الظالمون [الأنعام: 93] فانتقل الكلام من خطاب المعتبرين بحال الظالمين إلى خطاب الظالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول لهم يومئذ. فعلى الوجه الأول يكون جئتمونا حقيقة في الماضي لأنهم حينما يقال لهم هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله. و (قد) للتحقيق. وعلى الوجه الثاني يكون الماضي معبرا به عن المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه، وتكون (قد) ترشيحا للاستعارة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٣٨١) ↗