سورة الأنعام · الآية ٨٤
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم "يعقوب"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم، عليه السلام، حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله، عز وجل، عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال [تعالى] (2) {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} [مريم: 49] ، وقال هاهنا: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} وقوله: {ونوحا هدينا من قبل} أي: من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح، عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به -وهم الذين صحبوه في السفينة -جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم، عليه السلام، لم يبعث الله، عز وجل، بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} الآية [العنكبوت: 27] ، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} [الحديد: 26] ، وقال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] . وقوله في هذه الآية الكريمة: {ومن ذريته} أي: وهدينا من ذريته {داود وسليمان} الآية، وعود الضمير إلى "نوح"؛ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعوده
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قومه المشركين بالله بأن رفعنا درجته في عليين، وآتيناه أجره في الدنيا، ووهبنا له أولادا خصصناهم بالنبوة، وذرية شرفناهم منا بالكرامة وفضلناهم على العالمين، منهم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب. {كلا هدينا} [الأنعام: 84] يقول: هدينا جميعهم لسبيل الرشاد، فوفقناهم للحق والصواب من الأديان. {ونوحا هدينا من قبل} [الأنعام: 84] يقول: وهدينا لمثل الذي هدينا إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الحق والصواب فوفقناه له، نوحا من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. {ومن ذريته داود} ، والهاء التي في قوله: {ومن ذريته} [الأنعام: 84] من ذكر نوح، وذلك أن الله تعالى ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطا فقال: {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} [الأنعام: 86] ، ومعلوم أن لوطا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجمعين. فإذا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٣٨١) ↗التحرير والتنوير
والإتيان بصيغة الجمع في درجات باعتبار صلاحية من نشاء لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة، ودل فعل المشيئة على أن التفاضل بينهم بكثرة موجبات التفضيل، أو الجمع باعتبار أن المفضل الواحد يتفاوت حاله في تزايد موجبات فضله. وقرأه البقية- بتنوين درجات-، فيكون تمييزا لنسبة الرفع باعتبار كون الرفع مجازا في التفضيل. والدرجات مجازا في الفضائل المتفاوتة. ودل قوله من نشاء على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد لأنه لو كان حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل. وجملة: إن ربك حكيم عليم مستأنفة استئنافا بيانيا، لأن قوله: نرفع درجات من نشاء يثير سؤالا، يقول: لماذا يرفع بعض الناس دون بعض، فأجيب بأن الله يعلم مستحق ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلق علمه. فحكيم بمعنى محكم، أي متقن للخلق والتقدير. وقدم حكيم على عليم لأن هذا التفضيل مظهر للحكمة ثم عقب ب عليم ليشير إلى أن ذلك الإحكام جار على وفق العلم. [84- 87] ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٣٣٦) ↗