سورة الأنعام · الآية ٦٦
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة. { من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم } أي: يخلطكم { شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا. فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك. ولكن من رحمته، أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب ونحوه، ومن تحت أرجلهم بالخسف. ولكن عاقب من عاقب منهم بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض، عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون. { انظر كيف نصرف الآيات } أي: ننوعها، ونأتي بها على أوجه كثيرة وكلها دالة على الحق. { لعلهم يفقهون } أي: يفهمون ما خلقوا من أجله، ويفقهون الحقائق الشرعية والمطالب الإلهية. { وكذب به } أي: بالقرآن { قومك وهو الحق } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه. { قل لست عليكم بوكيل } أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما أنا منذر ومبلغ. { لكل نبإ مستقر } أي: وقت يستقر فيه، وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر { وسوف تعلمون } ما توعدون به من العذاب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٦٥–٦٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] ، وقال {لكل أجل كتاب} [الرعد: 37] . وهذا تهديد ووعيد أكيد؛ ولهذا قال بعده: {وسوف تعلمون} ثم قال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي: بالتكذيب والاستهزاء {فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه (1) من التكذيب، {وإما ينسينك الشيطان} والمراد بهذا كل فرد، فرد من آحاد الأمة، ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا {فلا تقعد بعد الذكرى} بعد التذكر {مع القوم الظالمين} ولهذا ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (2) وقال السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: {وإما ينسينك الشيطان} قال: إن نسيت فذكرت، فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان. وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} الآية [النساء: 140] أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه. وقوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: {إنكم إذا مثلهم} [النساء: 140] . قاله مجاهد، والسدي، وابن جريج، وغيرهم. وعلى قولهم، يكون قوله: {ولكن ذكرى لعلهم يتقون} أي: ولكن أمرناكم (3) بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تحت أرجلهم، أو لبسهم شيعا،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٣١٠) ↗التحرير والتنوير
وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة والترهيب أخرى. فالمراد بالآيات آيات القرآن. وتقدم معنى التصريف عند قوله تعالى: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون في هذه السورة [46] . ولعلهم يفقهون استئناف بياني جواب لسؤال سائل عن فائدة تصريف الآيات، وذلك رجاء حصول فهمهم لأنهم لعنادهم كانوا في حاجة إلى إحاطة البيان بأفهامهم لعلها تتذكر وترعوي. وتقدم القول في معنى (لعل) عند قوله تعالى: لعلكم تتقون في سورة البقرة [21] . وتقدم معنى الفقه عند قوله تعالى: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا في سورة النساء [78] . [66، 67] وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) عطف على انظر كيف نصرف الآيات [الأنعام: 65] ، أي لعلهم يفقهون فلم يفقهوا وكذبوا. وضمير به عائد إلى العذاب في قوله على أن يبعث عليكم عذابا [الأنعام: 65] ، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأن الله يعذبهم لأجل إعراضهم. والتعبير عنهم ب قومك تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم، كقوله تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [الشورى: 23] ، وقال طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وتقدم وجه تعدية فعل (كذب) بالباء عند قوله تعالى: وكذبتم به في هذه السورة [57] . وجملة وهو الحق معترضة لقصد تحقيق القدرة على أن يبعث عليهم عذابا إلخ. وقد تحقق بعض ذلك بعذاب من فوقهم وهو عذاب القحط، وبإذاقتهم بأس المسلمين يوم بدر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٨٦) ↗