البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٥٥

﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. { ليس لهم من دونه } أي: لا من دون الله { ولي ولا شفيع } أي: من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء. { لعلهم يتقون } الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه. { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي: لا تطرد عنك وعن مجالستك أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن وعمله القبيح. { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أي: وليستبين يا محمد -أو يا مخاطب -سبيل المجرمين. وقوله: {قل إني على بينة من ربي} أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي {وكذبتم به} أي: بالحق الذي جاءني من [عند] (1) الله {ما عندي ما تستعجلون به} أي: من العذاب، {إن الحكم إلا لله} أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة. ولهذا قال {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وقوله: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم} أي: لو كان مرجع ما تستعجلون به إلي، لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك {والله أعلم بالظالمين} فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم". قال: "فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك (2) إليك، لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا (3) يشرك به شيئا"، وهذا لفظ مسلم (4) فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. فما الجمع بين …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم، فنبينها لك حتى تبين حقه من باطله، وصحيحه من سقيمه. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة: {ولتستبين} [الأنعام: 55] بالتاء (سبيل المجرمين) بنصب السبيل، على أن (تستبين) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن معناه عندهم: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. وكان ابن زيد يتأول ذلك: «ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين الذين سألوك طرد النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (ولتستبين سبيل المجرمين) قال: «الذين يأمرونك بطرد هؤلاء» وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: {ولتستبين} [الأنعام: 55] بالتاء {سبيل PageEndV09P277 المجرمين} [الأنعام: 55] برفع السبيل على أن القصد للسبيل، ولكنه يؤنثها، وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصل الآيات ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: (ولتستبين) بالياء {سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] برفع السبيل على أن الفعل للسبيل ولكنهم يذكرونه. ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: {ولتستبين} [الأنعام: 55] ورفع السبيل واحد، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير السبيل وتأنيثها. وأولى القراءتين بالصواب عندي في (السبيل) الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبين الحق بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ (السبيل) بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصورا على النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله: {ولتستبين} [الأنعام: 55] فسواء قرئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار، ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

(ومن) شرطية، وهي أدل على التعميم من الموصولة. والباء في قوله: بجهالة للملابسة، أي ملتبسا بجهالة. والمجرور في موضع الحال من ضمير عمل. والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء ما. وتطلق على ما يقابل الحلم، وقد تقدم في قوله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة في سورة النساء [17] . والمناسب هنا هو المعنى الثاني، أي من عمل سوءا عن حماقة من نفسه وسفاهة، لأن المؤمن لا يأتي السيئات إلا عن غلبة هواه رشده ونهاه. وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة. وأما حمل الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أن الجاهل بالذنب غير مؤاخذ، فلا قوة لتفريع قوله: ثم تاب من بعده وأصلح عليه، إلا إذا أريد ثم تفطن إلى أنه عمل سوءا. والضمير في قوله: من بعده عائد إلى سوءا أي بعد السوء، أي بعد عمله. ولك أن تجعله عائدا إلى المصدر المضمون في (عمل) مثل اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] . ومعنى أصلح صير نفسه صالحة، أو أصلح عمله بعد أن أساء. وقد تقدم عند قوله تعالى: فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه في سورة المائدة [39] . وعند قوله: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا في سورة البقرة [160] . وجملة: فأنه غفور رحيم دليل جواب الشرط، أي هو شديد المغفرة والرحمة. وهذا كناية عن المغفرة لهذا التائب المصلح. وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف- بكسر همزة- فأنه غفور رحيم على أن الجملة موكدة بإن فيعلم أن المراد أن الله قد غفر لمن تاب لأنه كثير المغفرة والرحمة. وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب فأنه- بفتح الهمزة- على أنها (أن) المفتوحة أخت (إن) ، فيكون ما بعدها مؤولا بمصدر. والتقدير: فغفرانه ورحمته. وهذا جزء جملة يلزمه تقدير خبر، أي له، أي ثابت لمن عمل سوءا ثم تاب. [55] 55] وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٥٩) ↗