سورة الأنعام · الآية ٤٣
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } من الأمم السالفين والقرون المتقدمين، فكذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء } أي: بالفقر والمرض والآفات والمصائب، رحمة منا بهم. { لعلهم يتضرعون } إلينا، ويلجأون عند الشدة إلينا. { فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم } أي: استحجرت فلا تلين للحق. { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فظنوا أن ما هم عليه دين الحق، فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان، ولعب بعقولهم الشيطان. { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من الدنيا ولذاتها وغفلاتها { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن يؤخذوا على غرة وغفلة وطمأنينة، ليكون أشد لعقوبتهم وأعظم لمصيبتهم. { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: اصطلموا بالعذاب، وتقطعت بهم الأسباب. { والحمد لله رب العالمين } على ما قضاه وقدره من هلاك المكذبين. فإن بذلك تتبين آياته، وإكرامه لأوليائه، وإهانته لأعدائه، وصدق ما جاءت به المرسلون.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٤٢–٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إن كنتم صادقين} أي: لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه؛ ولهذا قال: إن {إن كنتم صادقين} أي: في اتخاذكم آلهة معه. {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كما قال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية [الإسراء: 67] . وقوله: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} يعني: الفقر والضيق في العيش {والضراء} وهي الأمراض والأسقام والآلام {لعلهم يتضرعون} أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله تعالى: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا (2) {ولكن قست قلوبهم} أي: ما رقت ولا خشعت {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} أي: من الشرك والمعاصي. {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا (3) استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره؛ ولهذا قال: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي: من الأموال والأولاد والأرزاق {أخذناهم بغتة} أي: على غفلة {فإذا هم مبلسون} أي: آيسون من كل خير. قال الوالبي، عن ابن عباس: المبلس: الآيس. وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له. ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة؛ أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. رواه ابن أبي حاتم. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم (4) فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. رواه ابن أبي حاتم أيضا. وقال مالك، عن الزهري: {فتحنا عليهم أبواب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ليتضرعوا، ثم قال: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا. ومعنى: {فلولا} [البقرة: 64] في هذا الموضع: فهلا، والعرب إذ أولت (لولا) اسما مرفوعا جعلت ما بعدها خبرا وتلقتها بالأمر، فقالت، فلولا أخوك لزرتك، ولولا أبوك لضربتك، وإذا أولتها فعلا، أو لم تولها اسما، جعلوها استفهاما، فقالوا: لولا جئتنا فنكرمك، ولولا زرت أخاك فنزورك، بمعنى هلا. كما قال تعالى: {لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق} [المنافقون: 10] ، وكذلك تفعل ب (لوما) مثل فعلها ب (لولا) . فتأويل الكلام إذن: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلها الذين لم يتضرعوا عندما أخذناهم بالبأساء والضراء، تضرعوا فاستكانوا لربهم وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه وهو عذابه، وقد بينا معنى البأس في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٤٣) ↗التحرير والتنوير
ويجوز أن يكون مجازا في الترك والإعراض، أي وتعرضون عن الأصنام، إذ لعلهم يلهمون أن يستدلون في تلك الساعة على أن غير الله لا يكشف عنهم من ذلك العذاب شيئا، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب، كما في قوله تعالى: اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا [الجاثية: 34] ، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء الله هذا اليوم. ومن قبيله قوله تعالى: الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون: 5] . وفي قوله: فيكشف ما تدعون إليه إن شاء دليل على أن الله تعالى قد يجيب دعوة الكافر في الدنيا تبعا لإجراء نعم الله على الكفار. والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي. [42- 45] ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) لما أنذرهم بتوقع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل، ليعلم هؤلاء أن تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك. وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها. فجملة: ولقد أرسلنا عطف على جملة: قل أرأيتكم [الأنعام: 40] ، والواو لعطف الجمل، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافا. وافتتحت هذه الجملة بلام القسم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٢٦) ↗