سورة الأنعام · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة، وإحضارهم النار: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ليوبخوا ويقرعوا، لرأيت أمرا هائلا وحالا مفظعة. ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنوا أن لو يردوا إلى الدنيا. { فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم أنهم كانوا كاذبين، ويبدو في قلوبهم في كثير من الأوقات. ولكن الأغراض الفاسدة صدتهم عن ذلك، وصرفت قلوبهم عن الخير، وهم كذبة في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب. { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }. { وقالوا } منكرين للبعث { إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا، إلا الحياة الدنيا وحدها { وما نحن بمبعوثين }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٢٧–٢٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… والله أعلم. وأما معنى الإضراب في قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} فهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة (1) في الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا (2) من النار؛ ولهذا قال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} أي: في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان. ثم قال مخبرا عنهم: إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] (3) {وإنهم لكاذبون} أي: في قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} أي: لعادوا لما نهوا عنه، إنهم لكاذبون ولقالوا: {إن هي إلا حياتنا} أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها؛ ولهذا قال: {وما نحن بمبعوثين} ثم قال {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: أوقفوا بين يديه قال: {أليس هذا بالحق} أي: أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون؟ {قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي: بما (4) كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه (5) {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} [الطور: 15] يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال (6) ولهذا قال: {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة [الدنيا] (7) وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها. وقوله {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون. [و] (8) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق قال: ويستقبل الكافر -أو: الفاجر - (9) -عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن (10) ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢١٢) ↗التحرير والتنوير
ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين في سورة الحجر [2] . وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحير فيها المفسرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرها وبعضها يساعده عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها. وقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم وردوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبيء ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لأن نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير، وإنما تمنوا ما تمنوا من شدة الهول فتوهموا التخلص منه بهذا التمني فلو تحقق تمنيهم وردوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدهم فنسوا ما حل بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة. وفي هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط ونحوهما. ويزول بزواله حتى يعاوده مثله. وقوله: وإنهم لكاذبون تذييل لما قبله. جيء بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات، أي أن الكذب سجية لهم قد تطبعوا عليها من الدنيا فلا عجب أن يتمنوا الرجوع ليؤمنوا فلو رجعوا لعادوا لما كانوا عليه فإن الكذب سجيتهم. وقد تضمن تمنيهم وعدا، فلذلك صح إدخاله في حكم كذبهم دخول الخاص في العام، لأن التذييل يؤذن بشمول ما ذيل به وزيادة. فليس وصفهم بالكذب بعائد إلى التمني بل إلى ما تضمنه من الوعد بالإيمان وعدم التكذيب بآيات الله. [29] 29] وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) يجوز أن يكون عطفا على قوله لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] فيكون جواب لو، أي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٨٦) ↗