سورة الأنعام · الآية ١٩
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُلْ لَا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت على تقرير التوحيد بكل دليل عقلي ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله المكذبين لرسوله. فهذه الآيات ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع به الشرك. فذكر أن { وله } تعالى { ما سكن في الليل والنهار } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها وجنها، وملائكتها، وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل أن يعبد من هؤلاء المماليك، الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق المدبر المالك، الضار النافع؟! أم العقول السليمة والفطر المستقيمة تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب والخوف، والرجاء لله رب العالمين؟!. { السميع } لجميع الأصوات على اختلاف اللغات بتفنن الحاجات. { العليم } بما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!. { قل } لهؤلاء المشركين بالله: { أغير الله أتخذ وليا } من هؤلاء المخلوقات العاجزة يتولاني وينصرني؟!. فلا أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما. { وهو يطعم ولا يطعم } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟! { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي. { ولا تكونن من المشركين } أي: ونهيت أيضا عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض علي، وأوجب الواجبات. { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فإن المعصية في الشرك توجب الخلود في النار، وسخط الجبار، وذلك اليوم هو اليوم الذي يخاف عذابه، ويحذر عقابه لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم، ومن نجا فيه فهو الفائز حقا، كما أن من لم ينج منه فهو الهالك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {قل أي شيء أكبر شهادة} أي: من أعظم الأشياء [شهادة] (1) {قل الله شهيد بيني وبينكم} أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي: وهو نذير لكل من بلغه، كما قال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: {ومن بلغ} [قال] (2) من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم -زاد أبو خالد: وكلمه. ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {لأنذركم به ومن بلغ} إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله". وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر كالذي أنذر. وقوله: {أئنكم لتشهدون} [أي] (3) أيها المشركون {أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} كما قال تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150] ، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} ثم قال مخبرا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم (4) به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد (5) صلى الله عليه وسلم وببعثه (6) وصفته، وبلده ومهاجره، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: {الذين خسروا أنفسهم} أي: خسروا كل الخسارة، {فهم لا يؤمنون} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه. ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي: لا أظلم ممن تقول (7) على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٨٠) ↗التحرير والتنوير
و (فوق) ظرف متعلق ب القاهر، وهو استعارة تمثيلية لحالة القاهر بأنه كالذي يأخذ المغلوب من أعلاه فلا يجد معالجة ولا حراكا. وهو تمثيل بديع ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون وإنا فوقهم قاهرون [الأعراف: 127] . ولا يفهم من ذلك جهة هي في علو كما قد يتوهم، فلا تعد هذه الآية من المتشابهات. والعباد: هم المخلوقون من العقلاء، فلا يقال للدواب عباد الله، وهو في الأصل جمع عبد لكن الاستعمال خصه بالمخلوقات، وخص العبيد بجمع عبد بمعنى المملوك. ومعنى القهر فوق العباد أنه خالق ما لا يدخل تحت قدرهم بحيث يوجد ما لا يريدون وجوده كالموت، ويمنع ما يريدون تحصيله كالولد للعقيم والجهل بكثير من الأشياء، بحيث إن كل أحد يجد في نفسه أمورا يستطيع فعلها وأمورا لا يستطيع فعلها وأمورا يفعلها تارة ولا يستطيع فعلها تارة، كالمشي لمن خدرت رجله فيعلم كل أحد أن الله هو خالق القدر والاستطاعات لأنه قد يمنعها، ولأنه يخلق ما يخرج عن مقدور البشر، ثم يقيس العقل عوالم الغيب على عالم الشهادة. وقد خلق الله العناصر والقوى وسلط بعضها على بعض فلا يستطيع المدافعة إلا ما خولها الله. والحكيم: المحكم المتقن للمصنوعات، فعيل بمعنى مفعل، وقد تقدم في قوله: فاعلموا أن الله عزيز حكيم في سورة البقرة [209] وفي مواضع كثيرة. والخبير: مبالغة في اسم الفاعل من (خبر) المتعدي، بمعنى (علم) ، يقال: خبر الأمر، إذا علمه وجربه. وقد قيل: إنه مشتق من الخبر لأن الشيء إذا علم أمكن الإخبار به. [19] 19] قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٦٥) ↗