سورة الأنعام · الآية ١٦٠
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: { لست منهم في شيء } أي: لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك. { إنمآ أمرهم إلى الله } يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون }. ثم ذكر صفة الجزاء فقال: { من جآء بالحسنة } القولية والفعلية، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله أو حق خلقه { فله عشر أمثالها } هذا أقل ما يكون من التضعيف. { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: { وهم لا يظلمون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ١٥٩–١٦٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
في بعض ألفاظ الصحيح: "فإنما تركها من جرائي" (1) أي: من أجلي. وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرا ولا فعل (2) شرا. وتارة يتركها عجزا وكسلا بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (3) . قال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا علي -وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة -قالا حدثنا إسحاق بن سليمان، كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله ابن أنس، عن جده أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا. ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة. يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي". هذا لفظ حديث مجاهد -يعني ابن موسى (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك (5) الأسدي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الناس أربعة، والأعمال ستة. فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة. والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف؛ فالموجبتان (6) من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار. ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها، كتبت له حسنة. ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه. ومن عمل حسنة كانت عليه (7) بعشرة أمثالها. ومن أنفق نفقة في سبيل الله، عز …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ضلالته، وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله فقال: من جاء بها فله عشر أمثالها. ويعني بقوله: {فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] فله عشر حسنات أمثال حسنته التي جاء بها. {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] يقول: ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٦) ↗التحرير والتنوير
فاعله مؤنث تقديرا، لأن القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين. قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] ، لأن الأمثال لما كانت في معنى الحسنات أنث اسم عددها. وقرأ الجمهور ربنا- بالجر- على الصفة لاسم الجلالة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف- بالنصب- على النداء بحذف حرفه. وذكرهم الرب بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصل من الشرك، أي لا رب لنا غيره. وقد كذبوا وحلفوا على الكذب جريا على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأن المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأن الحيرة والدهش الذي أصابهم خيل إليهم أنهم يموهون على الله تعالى فيتخلصون من العقاب. ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذ، لأن الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أن غيرهم لا تظهر له، ولأن هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا. وفي «صحيح البخاري» : أن رجلا قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، فذكر منها قوله: ولا يكتمون الله حديثا [النساء: 42] وقوله: والله ربنا ما كنا مشركين . فقد كتموا في هذه الآية. فقال ابن عباس: إن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا. وقوله: انظر كيف كذبوا على أنفسهم جعل حالهم المتحدث عنه بمنزلة المشاهد، لصدور عمن لا خلاف في إخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدل على النظر إليه كأنه مشاهد حاضر. والأظهر أن كيف لمجرد الحال غير دال على الاستفهام. والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيفهم بها. وقد تقدمت له نظائر منها قوله تعالى: انظر كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء [50] . وجعل كثير من المفسرين النظر هنا نظرا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٧٧) ↗