سورة الأنعام · الآية ١٦
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت على تقرير التوحيد بكل دليل عقلي ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله المكذبين لرسوله. فهذه الآيات ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع به الشرك. فذكر أن { وله } تعالى { ما سكن في الليل والنهار } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها وجنها، وملائكتها، وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل أن يعبد من هؤلاء المماليك، الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق المدبر المالك، الضار النافع؟! أم العقول السليمة والفطر المستقيمة تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب والخوف، والرجاء لله رب العالمين؟!. { السميع } لجميع الأصوات على اختلاف اللغات بتفنن الحاجات. { العليم } بما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!. { قل } لهؤلاء المشركين بالله: { أغير الله أتخذ وليا } من هؤلاء المخلوقات العاجزة يتولاني وينصرني؟!. فلا أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما. { وهو يطعم ولا يطعم } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟! { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي. { ولا تكونن من المشركين } أي: ونهيت أيضا عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض علي، وأوجب الواجبات. { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فإن المعصية في الشرك توجب الخلود في النار، وسخط الجبار، وذلك اليوم هو اليوم الذي يخاف عذابه، ويحذر عقابه لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم، ومن نجا فيه فهو الفائز حقا، كما أن من لم ينج منه فهو الهالك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم (1) في ريبهم (2) يترددون. وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: "والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء". هذا حديث غريب (3) وفي الترمذي: "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة (4) (5) ولهذا قال: {الذين خسروا أنفسهم} [أي يوم القيامة] (6) {فهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. ثم قال تعالى {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا (7) إله إلا هو، {وهو السميع العليم} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم. ثم قال لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه (8) المستقيم: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} كما قال {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] ، والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * [ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين] (9) } [الذاريات: 56 -58] . وقرأ بعضهم هاهنا: {وهو يطعم ولا يطعم} الآية (10) أي: لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يصرف عنه) بفتح الياء وكسر الراء، بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءة من قرأه: (يصرف عنه) بفتح الياء وكسر الراء، لدلالة قوله: {فقد رحمه} [الأنعام: 16] على صحة ذلك، وأن القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله: {من يصرف} [الأنعام: 16] على وجه ما لم يسم فاعله، كان الوجه في قوله: {فقد رحمه} [الأنعام: 16] أن يقال: (فقد رحم) غير مسمى فاعله، وفي تسمية الفاعل في قوله: {فقد رحمه} [الأنعام: 16] دليل بين على أن ذلك كذلك في قوله: (من يصرف عنه) .
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٧٨) ↗التحرير والتنوير
يقتضي النهي عن ضده، فذكر النهي عن الضد بعد ذلك تأكيد له، وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين. ومن تبعيضية، فمعنى من المشركين أي من جملة الذين يشركون، ويحتمل أن النهي عن الانتماء إلى المشركين، أي هو أمر بالبراءة منهم فتكون من اتصالية ويكون المشركين بالمعنى اللقبي، أي الذي اشتهروا بهذا الاسم، أي لا يكن منك شيء فيه صلة بالمشركين، كقول النابغة: فإني لست منك ولست مني والتأييس على هذا الوجه أشد وأقوى. وقد يؤخذ من هذه الآية استدلال للمأثور عن الأشعري: أن الإيمان بالله وحده ليس مما يجب بدليل العقل بل تتوقف المؤاخذة به على بعثة الرسول، لأن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينكر أن يتخذ غير الله وليا لأنه فاطر السماوات والأرض، ثم أمره أن يقول إني أمرت أن أكون أول من أسلم ثم أمره بما يدل على المؤاخذة بقوله: إني أخاف إن عصيت ربي- إلى قوله- فقد رحمه [الأنعام: 15، 16] . [15، 16] قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) هذا استئناف مكرر لما قبله، وهو تدرج في الغرض المشترك بينها من أن الشرك بالله متوعد صاحبه بالعذاب وموعود تاركه بالرحمة. فقوله: أغير الله أتخذ وليا [الأنعام: 14] الآية رفض للشرك بالدليل العقلي، وقوله: قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم [الأنعام: 14] الآية، رفض للشرك امتثالا لأمر الله وجلاله. وقوله هنا: قل إني أخاف الآية تجنب للشرك خوفا من العقاب وطمعا في الرحمة. وقد جاءت مترتبة على ترتيبها في نفس الأمر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٦٠) ↗