سورة الأنعام · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت على تقرير التوحيد بكل دليل عقلي ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله المكذبين لرسوله. فهذه الآيات ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع به الشرك. فذكر أن { وله } تعالى { ما سكن في الليل والنهار } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها وجنها، وملائكتها، وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل أن يعبد من هؤلاء المماليك، الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق المدبر المالك، الضار النافع؟! أم العقول السليمة والفطر المستقيمة تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب والخوف، والرجاء لله رب العالمين؟!. { السميع } لجميع الأصوات على اختلاف اللغات بتفنن الحاجات. { العليم } بما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!. { قل } لهؤلاء المشركين بالله: { أغير الله أتخذ وليا } من هؤلاء المخلوقات العاجزة يتولاني وينصرني؟!. فلا أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما. { وهو يطعم ولا يطعم } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟! { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي. { ولا تكونن من المشركين } أي: ونهيت أيضا عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض علي، وأوجب الواجبات. { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فإن المعصية في الشرك توجب الخلود في النار، وسخط الجبار، وذلك اليوم هو اليوم الذي يخاف عذابه، ويحذر عقابه لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم، ومن نجا فيه فهو الفائز حقا، كما أن من لم ينج منه فهو الهالك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة (4) (5) ولهذا قال: {الذين خسروا أنفسهم} [أي يوم القيامة] (6) {فهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. ثم قال تعالى {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا (7) إله إلا هو، {وهو السميع العليم} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم. ثم قال لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه (8) المستقيم: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} كما قال {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] ، والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * [ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين] (9) } [الذاريات: 56 -58] . وقرأ بعضهم هاهنا: {وهو يطعم ولا يطعم} الآية (10) أي: لا يأكل. وفي حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (11) قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشياء غير الله تعالى أتخذ وليا وأستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٧٥) ↗التحرير والتنوير
أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حراكا، فظهر حسن وقع قوله: وهو السميع العليم عقب هذا. والسميع: العالم العظيم بالمسموعات أو بالمحسوسات. والعليم: الشديد العلم بكل معلوم. [14] قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم. استئناف آخر ناشىء عن جملة: قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله [الأنعام: 12] . وأعيد الأمر بالقول اهتماما بهذا المقول، لأنه غرض آخر غير الذي أمر فيه بالقول قبله، فإنه لما تقرر بالقول، السابق عبودية ما في السماوات والأرض لله وأن مصير كل ذلك إليه انتقل إلى تقرير وجوب إفراده بالعبادة، لأن ذلك نتيجة لازمة لكونه مالكا لجميع ما احتوته السماوات والأرض، فكان هذا التقرير جاريا على طريقة التعريض إذ أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- بالتبري من أن يعبد غير الله. والمقصود الإنكار على الذين عبدوا غيره واتخذوهم أولياء، كما يقول القائل بمحضر المجادل المكابر (لا أجحد الحق) لدلالة المقام على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك، كيف وقد علموا أنه دعاهم إلى توحيد الله من أول بعثته، وهذه السورة ما نزلت إلا بعد البعثة بسنين كثيرة، كما استخلصناه مما تقدم في صدر السورة. وقد ذكر ابن عطية عن بعض المفسرين أن هذا القول أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ليجيب المشركين الذين دعوه إلى عبادة أصنامهم، أي هو مثل ما في قوله تعالى: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون [الزمر: 64] ، وهو لعمري مما يشعر به أسلوب الكلام وإن قال ابن عطية: إن ظاهر الآية لا يتضمنه كيف ولا بد للاستئناف من نكتة. والاستفهام للإنكار. وقدم المفعول الأول ل أتخذ على الفعل وفاعله ليكون مواليا للاستفهام لأنه هو المقصود بالإنكار لا مطلق اتخاذ الولي. وشأن همزة الاستفهام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٥٦) ↗