سورة الأنعام · الآية ١٣٠
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزوهم إلى المعاصي: { يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي: من إضلالهم وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي، وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ، عما يحل بهم من النكال والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس فأبدوا عذرا غير مقبول، فقالوا: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: تمتع كل من الجني والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجني يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } أي: وقد وصلنا المحل الذي تجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النار مثوكم خلدين فيهآ }. ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إن ربك حكيم عليم } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } أي: وكما ولينا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين} [الأحقاف: 29 -32] . وقد جاء في الحديث -الذي رواه الترمذي وغيره -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم سورة الرحمن (1) وفيها قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الآيتان: 31، 32] . وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. قال تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا} أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، {وشهدوا على أنفسهم} أي: يوم القيامة {أنهم كانوا كافرين} أي: في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين] (2) . يقول تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} [الملك: 8، 9] والآيات في هذا كثيرة. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: {بظلم} وجهين: أحدهما: ذلك من أجل أن ربك مهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
العادلين به من
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٥٩) ↗التحرير والتنوير
… يعني عبد الملك بن مروان لأن مروان كان يلقب بالأزرق وبالزرقاء لأنه أزرق العينين- قد قتل لطيم الشيطان (1) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون. ومن أجل ذلك قيل: إن لم يقلع الظالم عن ظلمه سلط عليه ظالم آخر. قال الفخر: إن أراد الرعية أن يتخلصوا من أمير ظالم فليتركوا الظلم. وقد قيل: وما ظالم إلا سيبلى بظالم وقوله: بما كانوا يكسبون الباء للسببية، أي جزاء على استمرار شركهم. والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة، والتحذير مع الاغترار بولاية الظالمين. وتوخي الأتباع صلاح المتبوعين. وبيان سنة من سنن الله في العالمين. [130] 130] يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) هذا من جملة المقاولة التي تجري يوم الحشر، وفصلت الجملة لأنها في مقام تعداد جرائمهم التي استحقوا بها الخلود، إبطالا لمعذرتهم، وإعلانا بأنهم محقوقون بما جزوا به، فأعاد نداءهم كما ينادى المندد عليه الموبخ فيزداد روعا. والهمزة في لم يأتكم للاستفهام التقريري، وإنما جعل السؤال عن نفي إتيان الرسل إليهم لأن المقرر إذا كان حاله في ملابسة المقرر عليه حال من يظن به أن يجيب بالنفي، يؤتى بتقريره داخلا على نفي الأمر الذي المراد إقراره بإثباته، حتى إذا أقر بإثباته كان إقراره أقطع لعذره في المؤاخذة به، كما يقال للجاني: ألست الفاعل كذا وكذا، وأ لست القائل كذا، وقد يسلك ذلك في مقام اختبار مقدار تمكن المسئول المقرر من اليقين في المقرر عليه، فيؤتى بالاستفهام داخلا على نفي الشيء المقرر عليه، حتى إذا كانت له شبهة فيه ارتبك وتعلثم. ومنه قوله تعالى: وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172] ، ولما كان حال هؤلاء الجن والإنس في التمرد على الله، ونبذ العمل الصالح ظهريا، والإعراض عن الإيمان، حال من لم يطرق سمعه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗