سورة الأنعام · الآية ١٠٧
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وليقولوا درست} . ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين، ونصب التاء، ثم قال: (1) صحيح الإسناد ولم يخرجاه (2) يقول تعالى آمرا لرسوله (3) صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به؛ فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو. {وأعرض عن المشركين} أي: اعف عنهم واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم. واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] (4) {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي: حافظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم {إن عليك إلا البلاغ} كما قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] ، وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين (5) عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب (6) إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فيسبوا الله عدوا بغير علم} وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣١٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٤٧٨) ↗التحرير والتنوير
عليك، أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم في علمهم. وقرأه ابن عامر ويعقوب «درست» - بصيغة الماضي وتاء التأنيث- أي الآيات، أي تكررت. وأما اللام في قوله: ولنبينه لقوم يعلمون فهي لام التعليل الحقيقية. وضمير لنبينه عائد إلى القرآن لأنه ما صدق الآيات، ولأنه معلوم من السياق. والقوم هم الذين اهتدوا وآمنوا كما تقدم في قوله: قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون [الأنعام: 97] ، والكلام تعريض كما تقدم. والمعنى أن هذا التصريف حصل منه هدى للموفقين ومكابرة للمخاذيل. كقوله تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين [البقرة: 26] . [106، 107] اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) استئناف في خطاب النبيء- عليه الصلاة والسلام- لأمره بالإعراض عن بهتان المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم، فابتداؤه بالأمر باتباع ما أوحي إليه يتنزل منزلة المقدمة للأمر بالإعراض عن المشركين، وليس هو المقصد الأصلي من الغرض المسوق له الكلام، لأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه أمر واقع بجميع معانيه فالمقصود من الأمر الدوام على اتباعه. والمعنى: أعرض عن المشركين اتباعا لما أنزل إليك من ربك. والمراد بما أوحي إليه القرآن. والاتباع في الأصل اقتفاء أثر الماشي، ثم استعمل في العمل بمثل عمل الغير، كما في قوله: والذين اتبعوهم بإحسان [التوبة: 100] . ثم استعمل في امتثال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٢٣) ↗