سورة الأنعام · الآية ١٠١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم بآياته البينات، وحججه الواضحات - أن المشركين به من قريش وغيرهم، جعلوا له شركاء يدعونهم ويعبدونهم من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله، ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر، وهو المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم، وكذلك " خرق المشركون " أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟!!. ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون، فقال: { سبحنه وتعلى عما يصفون } فإنه تعالى الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب. { بديع السموت والأرض } أي: خالقهما، ومتقن صنعتهما، على غير مثال سبق، بأحسن خلق، ونظام وبهاء، لا تقترح عقول أولي الألباب مثله، وليس له في خلقهما مشارك. { أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة } أي: كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد، الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله خالق كل شيء وليس شيء من المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه. ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال: { وهو بكل شيء عليم } وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] وكما قال تعالى: وهو الخلاق العليم [يس: 81] ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر. { الله ربكم } أي: المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم. { لا إله إلا هو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ومن مشركي العرب، ممن (2) جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم: إن لله ولدا. فقال تعالى: {سبحانه} أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا {بل له ما في السماوات والأرض} أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد (3) له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد! كما قال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101] وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا* لقد جئتم شيئا إدا* تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا* أن دعوا للرحمن ولدا* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم عدا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 88 -95] وقال تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] . فقرر (4) تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد! ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة: أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير -هو ابن مطعم-عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد. فسبحاني (5) أن أتخذ صاحبة أو ولدا".
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٣٩٦) ↗التحرير والتنوير
101] بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) جملة مستأنفة وهذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى، وهي تفيد مع ذلك تقوية التنزيه في قوله: سبحانه وتعالى عما يصفون [الأنعام: 100] فتتنزل منزلة التعليل لمضمون ذلك التنزيه بمضمونها أيضا، وبهذا الوجه رجح فصلها على عطفها فإن ما يصفونه هو قولهم: إن له ولدا وبنات، لأن ذلك التنزيه يتضمن نفي الشيء المنزه عنه وإبطاله، فعلل الإبطال بأنه خالق أعظم المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدعون بنوة الجن والملائكة لأجل عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجن ولا الملائكة فلما ذا لم تدعوا البنوة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها. فهذا الإبطال بمنزلة النقض في علم الجدل والمناظرة. وقوله: بديع خبر لمبتدأ ملتزم الحذف في مثله، وهو من حذف المسند إليه الجاري على متابعة الاستعمال عند ما يتقدم الحديث عن شيء ثم يعقب بخبر عنه مفرد، كما تقدم في مواضع. وتقدم الكلام على بديع السماوات والأرض عند قوله تعالى: بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض في سورة البقرة [116، 117] . والاستدلال على انتفاء البنوة عن الله تعالى بإبداع السماوات والأرض لأن خلق المحل يقتضي خلق الحال فيه، فالمشركون يقولون بأن الملائكة في السماء وأن الجن في الأرض والفيافي، فيلزمهم حدوث الملائكة والجن وإلا لوجد الحال قبل وجود المحل، وإذا ثبت الحدوث ثبت انتفاء البنوة لله تعالى، لأن ابن الإله لا يكون إلا إلها فيلزم قدمه، كيف وقد ثبت حدوثه،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤١٠) ↗