سورة الحشر · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * سبح لله ما في السموت وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار } إلى آخر القصة. هذه السورة تسمى " سورة بني النضير " وهم طائفة كبيرة من اليهود في جانب المدينة، وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفروا به في جملة من كفر من اليهود، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هادن سائر طوائف اليهود الذين هم جيرانه في المدينة، فلما كان بعد [وقعة] بدر بستة أشهر أو نحوها، خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، فخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه بما هموا به، فنهض مسرعا، فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به. وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ". فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي [بن سلول]: " أن لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ". وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له، وبعث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مبينا لما الفيء وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: فكل مال أخذ من الكفار بغير (1) قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه (2) بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاءه الله على رسوله؛ ولهذا تصرف فيه كما شاء، فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله، عز وجل، في هذه الآيات، فقال: {وما أفاء الله على رسوله منهم} أي: من بني النضير {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} يعني: الإبل، {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} أي: هو قدير لا يغالب ولا يمانع، بل هو القاهر لكل شيء. ثم قال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير؛ ولهذا قال: {فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين} إلى آخرها والتي بعدها. فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، رضي الله عنه، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله إلى رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة (3) فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته (4) -وقال مرة: قوت (5) سنته-وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله، عز وجل. هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرا، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم -إلا ابن ماجه-من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به (6) وقد رويناه مطولا فقال أبو داود، رحمه الله: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس -المعنى واحد-قالا حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين تعالى النهار، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إذا رجع إليه، وأفأته أنا عليه: إذا رددته عليه. وقد قيل: إنه عنى بذلك أموال قريظة. {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] يقول: فما أوضعتم فيه من خيل ولا في إبل وهي الركاب. وإنما وصف جل ثناؤه الذي أفاءه على رسوله منهم بأنه لم يوجف عليه بخيل من أجل أن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥١٢) ↗التحرير والتنوير
والمعنى: فقطع ما قطعتم من النخل وترك ما تركتم لأن الله أذن للمسلمين به لصلاح لهم فيه، وليخزي الفاسقين، أي ليهين بني النضير فيروا كرائم أموالهم بعضها مخضود وبعضها بأيدي أعدائهم. فذلك عزة للمؤمنين وخزي للكافرين والمراد ب الفاسقين هنا: يهود النضير. وعدل عن الإتيان بضميرهم كما أتي بضمائرهم من قبل ومن بعد إلى التعبير عنهم بوصف الفاسقين لأن الوصف المشتق يؤذن بسبب ما اشتق منه في ثبوت الحكم، أي ليجزيهم لأجل الفسق. والفسق: الكفر. [6] 6] وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) يجوز أن يكون عطفا على جملة ما قطعتم من لينة [الحشر: 5] الآية فتكون امتنانا وتكملة لمصارف أموال بني النضير. ويجوز أن تكون عطفا على مجموع ما تقدم عطف القصة على القصة والغرض على الغرض للانتقال إلى التعريف بمصير أموال بني النضير لئلا يختلف رجال المسلمين في قسمته. ولبيان أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة أموال بني النضير هو عدل إن كانت الآية نزلت بعد القسمة وما صدق ما أفاء الله هو ما تركوه من الأرض والنخل والنقض والحطب. والفيء معروف في اصطلاح الغزاة، ففعل أفاء أعطى الفيء، فالفيء في الحروب والغارات ما يظفر به الجيش من متاع عدوهم وهو أعم من الغنيمة ولم يتحقق أيمة اللغة في أصل اشتقاقه فيكون الفيء بقتال ويكون بدون قتال، وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقتال. وضمير منهم عائد إلى الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب [الحشر: 2] الواقع في أول السورة وهم بنو النضير. وقيل: أريد به الكفار، وأنه نزل في فيء فدك فهذا بعيد ومخالف للآثار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٧٨) ↗