البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحشر · الآية ١٦

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ لا يقاتلونكم جميعا } أي: في حال الاجتماع { إلا في قرى محصنة أو من ورآء جدر } أي: لا يثبتون لقتالكم ولا يعزمون عليه، إلا إذا كانوا متحصنين في القرى، أو من وراء الجدر والأسوار. فإنهم إذ ذاك ربما يحصل منهم امتناع، اعتمادا [على] حصونهم وجدرهم، لا شجاعة بأنفسهم، وهذا من أعظم الذم، { بأسهم بينهم شديد } أي: بأسهم فيما بينهم شديد، لا آفة في أبدانهم ولا في قوتهم، وإنما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كلمتهم، ولهذا قال: { تحسبهم جميعا } حين تراهم مجتمعين ومتظاهرين. { و } لكن { قلوبهم شتى } أي: متباغضة متفرقة متشتتة. { ذلك } الذي أوجب لهم اتصافهم بما ذكر { بأنهم قوم لا يعقلون } أي: لا عقل عندهم، ولا لب، فإنهم لو كانت لهم عقول، لآثروا الفاضل على المفضول، ولما رضوا لأنفسهم بأبخس الخطتين، ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة، فبذلك يتناصرون ويتعاضدون، ويتعاونون على مصالحهم ومنافعهم الدينية والدنيوية. مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله منهم، وأذاقهم الخزي في الحياة الدنيا، وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة { كمثل الذين من قبلهم قريبا } وهم كفار قريش الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه [وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون] الآية [الأنفال: 48]. فغرتهم أنفسهم، وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا " بدرا " بفخرهم وخيلائهم، ظانين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين أمانيهم. فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { ولهم } في الآخرة عذاب النار، ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… 65] ؛ ولهذا قال: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف. قال: إبراهيم النخعي: يعني: أهل الكتاب والمنافقين {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} ثم قال: {كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم} قال مجاهد، والسدي، ومقاتل بن حيان: [يعني] (2) كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر. وقال ابن عباس: {كمثل الذين من قبلهم} يعني: يهود بني قينقاع. وكذا قال قتادة، ومحمد ابن إسحاق. وهذا القول أشبه بالصواب، فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل هذا. وقوله: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك} يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: {وإن قوتلتم لننصرنكم} ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ (3) سول للإنسان -والعياذ بالله-الكفر، فإذا دخل فيما سوله (4) تبرأ منه وتنصل، وقال: {إني أخاف الله رب العالمين} وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نهيك قال: سمعت عليا، رضي الله عنه، يقول: إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها. قال: فجاءوا بها إليه فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، فاسجد لي سجدة. فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك، إني أخاف الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إحلال عقوبته بهم مثل الذين من قبلهم يقول كشبههم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالذين من قبلهم، فقال بعضهم عني بذلك بنو قينقاع.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٣٩) ↗

التحرير والتنوير

وعن مجاهد أن الذين من قبلهم المشركون يوم بدر. ومن زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله. وانتصب قريبا على الظرفية متعلقا بالكون المضمر في قوله: كمثل، أي كحال كائن قريب، أو انتصب على الحال من الذين أي القوم القريب منهم، كقوله: وما قوم لوط منكم ببعيد [هود: 89] . والوبال أصله: وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال: كلأ وبيل، إذا كان مرعى خضرا «حلوا» تهش إليه الإبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها، فشبهوا في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على مرعى وبيل فهلكت وأثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها، فكان ذكر ذاقوا مع وبال إشارة إلى هذه الاستعارة. وأمرهم شأنهم وما دبروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في الجلاء وترك الديار وما فيها، أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا. وضمير ولهم عذاب أليم عائد إلى الذين من قبلهم أي زيادة على ما ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الأنفس والأجساد لهم عذاب أليم في الآخرة على الكفر. [16، 17] كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) هذا مثل آخر لممثل آخر، وليس مثلا منضما إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفا عليه بالواو، أو ب (أو) كقوله تعالى أو كصيب من السماء [البقرة: 19] . والوجه: أن هذا المثل متصل بقوله: ولهم عذاب أليم [الحشر: 15] كما يفصح عنه قوله في آخره: فكان عاقبتهما أنهما في النار الآية، أي مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٠٨) ↗