البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة المجادلة · الآية ١٣

﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تأديبا لهم وتعليما، وتعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا التعظيم خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصل لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول صلى الله عليه وسلم والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا ميزانا لمن كان حريصا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه الأمر، بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها. ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: { فإذ لم تفعلوا } أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: { وتاب الله عليكم } أي: عفا لكم عن ذلك، { فأقيموا الصلاة } بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، { وآتوا الزكاة } المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها. وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] { وأطيعوا الله ورسوله } وهذا أشمل ما يكون من الأوامر. ويدخل في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله. والعبرة في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} الآية. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي [بن أبي طالب] (2) -رضي الله عنه-قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترى، دينار؟ ". قال: لا يطيقون. قال: "نصف دينار؟ ". قال: لا يطيقون. قال: "ما ترى؟ " قال: شعيرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك زهيد (3) قال: قال علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة، وقوله: { [يا أيها الذين آمنوا] (4) إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} فنزلت: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} (5) ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [إلى آخرها] (6) قال (7) لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترى، دينار؟ " قلت (8) لا يطيقونه. وذكره بتمامه، مثله، ثم قال: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه". ثم قال: ومعنى قوله: "شعيرة": يعني وزن شعيرة من ذهب (9) ورواه أبو يعلى، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، به (10) وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} إلى {فإن الله غفور رحيم} كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٥٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

صلى الله عليه وسلم صدقات الفاقة، وأصل الإشفاق في كلام العرب: الخوف والحذر، ومعناه في هذا الموضع: أخشيتم بتقديم الصدقة الفاقة والفقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٨٦) ↗

التحرير والتنوير

يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة قال لي النبيء صلى الله عليه وسلم «ما ترى دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت: شعيرة» قال الترمذي: أي وزن شعيرة من ذهب. قال: إنك لزهيد فنزلت: أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات [المجادلة: 13] الآية. قال: «فبي خفف الله عن هذه الأمة» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه اه. قلت: علي بن علقمة الأنماري قال البخاري: في حديثه نظر، ووثقه ابن حبان. وقال ابن الفرس: صححوا عن علي أنه قال: «ما عمل بها أحد غيري» . وساق حديثا. ومحمل قول علي «فبي خفف الله عن هذه الأمة» ، أنه أراد التخفيف في مقدار الصدقة من دينار إلى زنة شعيرة من ذهب وهي جزء من اثنين وسبعين جزءا من أجزاء الدينار. وفعل ناجيتم مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] الآية. وقوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [النحل: 98] . والقرينة قوله: فقدموا بين يدي نجواكم. والجمهور على أن الأمر في قوله: فقدموا للوجوب، واختاره الفخر ورجحه بأنه الأصل في صيغة الأمر، وبقوله: فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول الوجوب. ويناسب أن يكون هذا هو قول من قال: إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة، وهو عن ابن عباس. وقال فريق: الأمر للندب وهو يناسب قول من قال: إن فرض الزكاة كان سابقا على نزول هذه الآية فإن شرع الزكاة أبطل كل حق كان واجبا في المال. وبين يدي نجواكم معناه: قبل نجواكم بقليل، وهي استعارة تمثيلية جرت مجرى المثل للقرب من الشيء قبيل الوصول إليه. شبهت هيئة قرب الشيء من آخر بهيئة وصول الشخص بين يدي من يرد هو عليه تشبيه معقول بمحسوس.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٤٤) ↗