سورة الحديد · الآية ٢٦
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاؤوا به وحقيته. { وأنزلنا معهم الكتاب } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { والميزان } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { ليقوم الناس بالقسط } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك. { ومنافع للناس } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد. { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا. { إن الله قوي عزيز } أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله. ولما ذكر نبوة الأنبياء عموما، ذكر من خواصهم النبيين الكريمين نوحا وإبراهيم اللذين جعل الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وآتيناه الإنجيل} وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} وهم الحواريون {رأفة ورحمة} أي: رأفة وهي الخشية {ورحمة} بالخلق. وقوله: {ورهبانية ابتدعوها} أي: ابتدعتها أمة النصارى {ما كتبناها عليهم} أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قال سعيد بن جبير، وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله، عز وجل. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه (1) حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ابن مسعود". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم، عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، عز وجل: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} (2) وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا عقيل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذريتهما، وعليهم أنزلت الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وسائر الكتب المعروفة {فمنهم مهتد} [الحديد: 26] يقول: PageEndV22P427 فمن ذريتهما مهتد إلى الحق مستبصر {وكثير منهم} [المائدة: 66] يعني من ذريتهما {فاسقون} [المائدة: 59] يعني ضلال، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٢٦) ↗التحرير والتنوير
26] ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) معطوف على جملة لقد أرسلنا رسلنا بالبينات [الحديد: 25] عطف الخاص على العام لما أريد تفصيل لإجماله تفصيلا يسجل به انحراف المشركين من العرب والضالين من اليهود عن مناهج أبويهما: نوح وإبراهيم، قال تعالى في شأن بني إسرائيل ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا [الإسراء: 3] ، والعرب لا ينسون أنهم من ذرية نوح كما قال النابغة يمدح النعمان بن المنذر: فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون والنبوءة في ذريتهما كنبوءة هود وصالح وتبع ونبوءة إسماعيل وإسحاق وشعيب ويعقوب. والمراد ب الكتاب ما كان بيد ذرية نوح وذرية إبراهيم من الكتب التي فيها أصول ديانتهم من صحف إبراهيم وما حفظوه من وصاياه ووصايا إسماعيل وإسحاق. والفسق: الخروج عن الاهتداء، ومن الفاسقين: المشركون من عاد وثمود وقوم لوط واليمن والأوس والخزرج وهم من ذرية نوح، ومن مدين والحجاز وتهامة وهم من ذرية إبراهيم. والمراد: من أشركوا قبل مجيء الإسلام لقوله: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم [الحديد: 27] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٤١٩) ↗