البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الحديد · الآية ٢٤

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولافي أنفسكم } وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى: ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي فتنة [الزمر: 49]. { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، { ومن يتول } عن طاعة الله فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، { فإن الله هو الغني الحميد } الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحديد ٢٢–٢٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله (1) ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود. وإنه على ذلك لشهيد} [العاديات: 6، 7] أي: بحاله وشمائله، {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] وقال هاهنا: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ولهذا توعدهم بقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه. وفي الحديث: "إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه" (2) وفي الدعاء النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها -ويروى: قائليها-وأتممها علينا" (3) . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد. ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم: العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك. وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي: "إن أباك رام …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

قوله {فخورا} [النساء: 36] من ذم، ويحتمل أن يكون نصبا على النعت لمن. والبخل في كلام العرب منع الرجل سائله ما لديه وعنده من فضل عنه. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37] قال: " البخل: أن يبخل الأنسان بما في يديه، والشح: أن يشح على ما في أيدي الناس. قال: يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع " واختلف القراء في قراءة قوله: {ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37] فقرأته عامة قراء أهل الكوفة: (بالبخل)، بفتح الباء والخاء. وقرأته عامة قراء أهل المدينة PageEndV07P022 وبعض البصريين بضم الباء: {بالبخل} [النساء: 37] وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته. وقد قيل: إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37] الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢١) ↗

التحرير والتنوير

ساوى الحقيقة، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، والتقدير: بما آتاكموه، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيرا بأن الخيرات من فضل الله. وقرأه أبو عمرو وحده بهمزة واحدة على أنه من (أتى) ، إذا حصل، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع ب (أتى) ، وفي هذه القراءة مقابلة آتاكم ب (فاتكم) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسن. [24] 24] الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) يجوز أن يكون الذين يبخلون ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله: والله لا يحب كل مختال فخور [الحديد: 23] فيكون الذين يبخلون مبتدأ وخبره محذوفا يدل عليه جواب الشرط وهو فإن الله هو الغني الحميد. والتقدير: فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين. ويجوز أن يكون متصلا بما قبله على طريقة التخلص فيكون الذين يبخلون بدلا من كل مختال فخور، أو خبرا لمبتدأ محذوف هو ضمير كل مختال فخور. تقديره: هم الذين يبخلون، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف المسند إليه اتباعا للاستعمال كما سماه السكاكي، وفيه وجوه أخر لا نطول بها. والمراد ب الذين يبخلون: المنافقون، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة في سورة النساء، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله: هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا [المنافقون: 7] ، أي على المؤمنين. وجملة ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد تذييل لأن من يتول يعم الذين يبخلون وغيرهم فإن الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل أي في سبيل الله وفي النفقات الواجبة قد تولوا عن أمر الله و (من) شرطية عامة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٤١٣) ↗