سورة الواقعة · الآية ٨٣
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده، ثم عظم هذا المقسم به، فقال: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها، وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه، { في كتاب مكنون } أي: مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى. ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله، وأن المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه، { لا يمسه إلا المطهرون } أي: لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات والذنوب والعيوب، وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها، على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر. { تنزيل من رب العالمين } أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا، ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
كما قال: {كلا إذا بلغت التراقي. وقيل من راق. وظن أنه الفراق. والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق} [القيامة: 26، 30] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وأنتم حينئذ تنظرون} أي: إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت. {ونحن أقرب إليه منكم} أي: بملائكتنا {ولكن لا تبصرون} أي: ولكن لا ترونهم. كما قال في الآية الأخرى: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 61، 62] . وقوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها} : معناه: فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول (1) ، ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين. قال ابن عباس: يعني محاسبين. وروي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وأبي حزرة، مثله. وقال سعيد بن جبير، والحسن البصري: {فلولا إن كنتم غير مدينين} غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون، فردوا هذه النفس. وعن مجاهد: {غير مدينين} غير موقنين. وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين. هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: إما أن يكون من المقربين (2) ، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين. وإما أن يكون من المكذبين الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله؛ ولهذا قال تعالى: {فأما إن كان} أي: المحتضر، {من المقربين} ، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، {فروح وريحان وجنة نعيم} أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: "أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان". قال علي بن طلحة (3) ، عن ابن عباس: {فروح} يقول: راحة وريحان، يقول: مستراحة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٥٤٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
للمكذبين به، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم في ذلك نحو قولنا فيه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٦٧) ↗التحرير والتنوير
» . [83- 87] 87] فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشىء عما قبله على حسب ترتيبه وإذ قد كان الكلام السابق إقامة أدلة على أن الله قادر على إعادة الحياة للناس بعد الموت، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من إثبات البعث، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن، وكل ذلك راجع إلى الاستدلال بقوة قدرة الله على إيجاد موجودات لا تصل إليها مدارك الناس، انتقل الكلام إلى الاستدلال على إثبات البعث بدليل لا محيص لهم عن الاعتراف بدلالته. فالتفريع على جملة ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [الواقعة: 62] وهو أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك المفارقة مقدرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة. فمعنى الكلام قد أخبركم الله بأنه يجازي الناس على أفعالهم ولذلك فهو محييهم بعد موتهم لإجراء الجزاء عليهم، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم منهم قهرا، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيت الأرواح في أجسادها، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة نقلها إلى حياة ثانية، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى. وهذا نظير الاستدلال على تفرد الله بالإلهية بأن في كينونة الموجودات دلائل خلقية على أنها مخلوقة لله تعالى وذلك قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد: 15] . ومرجع هذا المعنى إلى أن هذا استدلال بمقتضى الحكمة الإلهية في حالة خلق الإنسان فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى، وهو الحكيم، فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن انتزاعها مقتضى الحكمة أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗