سورة الواقعة · الآية ٦٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل. ولهذا أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الواقعة ٥٨–٦٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؛ فلهذا قال: {فلولا تصدقون} أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلا عليهم بقوله: {أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال: {نحن قدرنا بينكم الموت} أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض. {وما نحن بمسبوقين} أي: وما نحن بعاجزين. {على أن نبدل أمثالكم} أي: نغير خلقكم يوم القيامة، {وننشئكم في ما لا تعلمون} أي: من الصفات والأحوال. ثم قال: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة -وهي البداءة- قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، وكما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، وقال: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67] ، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77-79] ، وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ؟ [القيامة: 36-40] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٥٣٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٤٧) ↗التحرير والتنوير
وننشئكم عطف على نبدل ، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم. وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئا آخر غير تبديل أمثالهم، أي نحن قادرون على الأمرين جميعا، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل: عجب الذنب، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث. ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله: وننشئكم في ما لا تعلمون الإشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإبهام. وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعد ما أفاده قوله: أن نبدل أمثالكم من إثبات أن الله قادر على البعث. وما من قوله: في ما لا تعلمون صادقة على الكيفية، أو الهيئة التي يتكيف بها الإنشاء، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علما بخفايا الخلقة. وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح. والظرفية المستفادة من في ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله: فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك [الانفطار: 7، 8] . ومعنى لا تعلمون : أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال. [62] ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه على صلاحية القدرة الإلهية لذلك ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل، وهو تشبيه النشأة الثانية بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة الله وعلمه، وفي أنهم لا يحيطون علما بدقائق حصولها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣١٨) ↗