سورة الواقعة · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ثم ذكر نعيم أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } أي: شأنهم عظيم، وحالهم جسيم، { في سدر مخضود } أي: مقطوع ما فيه من الشوك والأغصان [الرديئة] المضرة، مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم فيه، { وطلح منضود } والطلح معروف، وهو شجر [كبار] يكون بالبادية، تنضد أغصانه من الثمر اللذيذ الشهي، { ومآء مسكوب } أي: كثير من العيون والأنهار السارحة، والمياه المتدفقة، { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي: ليست بمنزلة فاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات، وتكون ممتنعة [أي: متعسرة] على مبتغيها، بل هي على الدوام موجودة، وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال يكون، { وفرش مرفوعة } أي: مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله. { إنآ أنشأناهن إنشآء } أي: إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء، { فجعلناهن أبكارا } صغارهن وكبارهن، وعموم ذلك يشمل الحور العين ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف - وهو البكارة - ملازم لهن في جميع الأحوال، كما أن كونهن { عربا أترابا } ملازم لهن في كل حال، والعروب: هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها [ومحبتها]، فهي التي إن تكلمت سبت العقول، وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها ملأت قلب بعلها فرحا وسرورا، وإن برزت من محل إلى آخر، امتلأ ذلك الموضع منها ريحا طيبا ونورا، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع. والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يحزن ولا يحزن، بل هن أفراح النفوس، وقرة العيون، وجلاء الأبصار. { لأصحاب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله، أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها؟ يعني: الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لونا من الطعام، لا يشبه لون آخر" (1) . وقوله: {وطلح منضود} : الطلح: شجر عظام يكون بأرض الحجاز، من شجر العضاه، واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة (2) : بشرها دليلها وقالا %~% غدا ترين الطلح والجبالا وقال مجاهد: {منضود} أي: متراكم الثمر، يذكر بذلك قريشا؛ لأنهم كانوا يعجبون من وج، وظلاله من طلح وسدر. وقال السدي: {منضود} : مصفوف. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان قال: سمعت عليا يقول: هذا الحرف في {وطلح منضود} قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون هذا من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود، وهو كثرة ثمره، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: {وطلح منضود} قال: الموز. قال: وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسن، وعكرمة، وقسامة بن زهير، وقتادة، وأبي حزرة، مثل ذلك، وبه قال مجاهد وابن زيد -وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز الطلح. ولم يحك ابن جرير غير هذا القول (3) . وقوله: {وظل ممدود} : قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم-قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم: {وظل ممدود} . ورواه مسلم من حديث الأعرج، به (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الآيات ثلتان، وهي جماعتان وأمتان وفرقتان: {ثلة من الأولين} [الواقعة: 13] ، يعني جماعة من الذين مضوا قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم {وثلة من الآخرين} [الواقعة: 40] ، يقول: وجماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٣٠) ↗التحرير والتنوير
أهل عناد وكفر ولم يكن المؤمنون فيهم إلا قليلا كما تنبىء به آيات كثيرة من القرآن. ووصف المؤمنون من بعض الأمم عند أقوامهم بالمستضعفين، وبالأرذلين، وبالأقلين. ولا جرم أن المراد بالآخرين الأمة الأخيرة وهم المسلمون. فالسابقون طائفتان طائفة من الأمم الماضين ومجموع عددها في ماضي القرون كثير مثل أصحاب موسى عليه السلام الذين رافقوه في التيه، ومثل أصحاب أنبياء بني إسرائيل، ومثل الحواريين، وطائفة قليلة من الأمة الإسلامية وهم الذين أسرعوا للدخول في الإسلام وصحبوا النبيء صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] ، وإذ قد كانت هذه الآية نزلت قبل الهجرة فهي لا يتحقق مفادها إلا في المسلمين الذين بمكة. ومن تبعيضية كما هو بين، فاقتضى أن السابقين في الأزمنة الماضية وزمان الإسلام حاضره ومستقبله بعض من كل، والبعضية تقتضي القلة النسبية ولفظ ثلة مشعر بذلك ولفظ قليل صريح فيه. وإنما قوبل لفظ ثلة بلفظ قليل للإشارة إلى أن الثلة أكثر منه. وعن الحسن أنه قال: سابقو من مضى أكثر من سابقينا. وروي عن أبي هريرة «أنه لما نزلت: ثلة من الأولين وقليل من الآخرين شق ذلك على أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم وحزنوا وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار ثلة من الأولين وثلة من الآخرين [الواقعة: 39، 40] فنسخت: وقليل من الآخرين» (1) . وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين، والآية التي فيها وثلة من الآخرين [الواقعة: 40] ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث دليل على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٩١) ↗