سورة الرحمن · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلى آخر السورة. أي: وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات، ومن أوصاف تلك الجنتين أنهما { ذواتآ أفنان } [أي: فيهما من ألوان النعيم المتنوعة نعيم الظاهر والباطن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر] أن فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللذيذة، أو ذواتا أنواع وأصناف من جميع أصناف النعيم وأنواعه جمع فن، أي: صنف. وفي تلك الجنتين { عينان تجريان } يفجرونها على ما يريدون ويشتهون، { فيهما من كل فاكهة } من جميع أصناف الفواكه { زوجان } أي: صنفان، كل صنف له لذة ولون، ليس للنوع الآخر. { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } هذه صفة فرش أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [أي:] جلوس تمكن واستقرار [وراحة]، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟! { وجنى الجنتين دان } الجنى هو الثمر المستوي أي: وثمر هاتين الجنتين قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع. { فيهن قاصرات الطرف } أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن، من حسنهم وجمالهم، وكمال محبتهن لهم، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن، من حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن، { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي: لم ينلهن قبلهم أحد من الإنس والجن، بل هن أبكار عرب، متحببات إلى أزواجهن، بحسن التبعل والتغنج والملاحة والدلال، ولهذا قال: { كأنهن الياقوت والمرجان } وذلك لصفائهن وجمال منظرهن وبهائهن، { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيده، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن شوذب، وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} في أبي بكر الصديق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} : نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار، لعلي أضل الله، قال: تاب يوما وليلة بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه وأدخله الجنة. والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة، {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات:40] ، ولم يطغ، ولا آثر الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري، رحمه الله. حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث عبد العزيز، به (1) . وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه -قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه-في قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، وفي قوله: {ومن دونهما جنتان} [قال] : (2) جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري (3) ، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوما هذه الآية: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، فقلت: وإن زنى أو سرق؟ فقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عن تأويله، غير أن معنى جميعهم يقول إلى هذا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٢٣٥) ↗التحرير والتنوير
والمعنى: يمشون بين مكان النار وبين الحميم فإذا أصابهم حر النار طلبوا التبرد فلاح لهم الماء فذهبوا إليه فأصابهم حره فانصرفوا إلى النار دواليك وهذا كقوله: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل [الكهف: 29] . وآن: اسم فاعل من أنى، إذا اشتدت حرارته. [45] 45] فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) مثل موقع الذي قبله في التكرير. [46- 53] ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين. والجملة عطف على جملة يعرف المجرمون بسيماهم [الرحمن: 41] إلى آخرها، وهو أظهر لأن قوله في آخرها يطوفون بينها وبين حميم آن يفيد معنى أنهم فيها. واللام في لمن خاف لام الملك، أي يعطى من خاف ربه ويملك جنتين، ولا شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معين فهو من صيغ العموم البدلي بمنزلة قولك: وللخائف مقام ربه. وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية جنتان فيجوز أن يكون المراد: جنسين من الجنات. وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله: ومن دونهما جنتان [الرحمن: 62] فالمراد جنسان من الجنات. ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد، وهو استعمال موجود في الكلام الفصيح وفي القرآن قال الله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [الملك: 4]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٦٤) ↗