سورة الرحمن · الآية ٤٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلى آخر السورة. أي: وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات، ومن أوصاف تلك الجنتين أنهما { ذواتآ أفنان } [أي: فيهما من ألوان النعيم المتنوعة نعيم الظاهر والباطن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر] أن فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللذيذة، أو ذواتا أنواع وأصناف من جميع أصناف النعيم وأنواعه جمع فن، أي: صنف. وفي تلك الجنتين { عينان تجريان } يفجرونها على ما يريدون ويشتهون، { فيهما من كل فاكهة } من جميع أصناف الفواكه { زوجان } أي: صنفان، كل صنف له لذة ولون، ليس للنوع الآخر. { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } هذه صفة فرش أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [أي:] جلوس تمكن واستقرار [وراحة]، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟! { وجنى الجنتين دان } الجنى هو الثمر المستوي أي: وثمر هاتين الجنتين قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع. { فيهن قاصرات الطرف } أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن، من حسنهم وجمالهم، وكمال محبتهن لهم، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن، من حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن، { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي: لم ينلهن قبلهم أحد من الإنس والجن، بل هن أبكار عرب، متحببات إلى أزواجهن، بحسن التبعل والتغنج والملاحة والدلال، ولهذا قال: { كأنهن الياقوت والمرجان } وذلك لصفائهن وجمال منظرهن وبهائهن، { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيده، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن شوذب، وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} في أبي بكر الصديق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} : نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار، لعلي أضل الله، قال: تاب يوما وليلة بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه وأدخله الجنة. والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة، {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات:40] ، ولم يطغ، ولا آثر الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري، رحمه الله. حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث عبد العزيز، به (1) . وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه -قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه-في قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، وفي قوله: {ومن دونهما جنتان} [قال] : (2) جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري (3) ، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوما هذه الآية: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، فقلت: وإن زنى أو سرق؟ فقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عن تأويله، غير أن معنى جميعهم يقول إلى هذا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٢٣٥) ↗التحرير والتنوير
35] يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) استئناف بياني عن جملة إن استطعتم أن تنفذوا [الرحمن: 33] إلخ لأن ذلك الإشعار بالتهديد يثير في نفوسهم تساؤلا عما وراءه. وضمير عليكما راجع إلى الجن والإنس فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة، وهي قوله بعده: ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن: 46] الآيات. وهذا تصريح بأنهم معاقبون بعد أن عرض لهم بذلك تعريضا بقوله: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33] . ومعنى يرسل عليكما أن ذلك يعترضهم قبل أن يلجوا في جهنم، أي تقذفون بشواظ من نار تعجيلا للسوء. والمضارع للحال، أي ويرسل عليكما الآن شواظ. والشواظ بضم الشين وكسرها: اللهب الذي لا يخالطه دخان لأنه قد كمل اشتعاله وذلك أشد إحراقا. وقرأه الجمهور بضم الشين. وقرأه ابن كثير بكسرها. والنحاس: يطلق على الدخان الذي لا لهب معه. وبه فسر ابن عباس وسعيد بن جبير وتبعهما الخليل. والمعنى عليه: أن الدخان الذي لم تلحقهم مضرته والاختناق به بسبب شدة لهب الشواظ يضاف إلى ذلك الشواظ على حياله فلا يفلتون من الأمرين. ويطلق النحاس على الصفر وهو القطر. وبه فسر مجاهد وقتادة، وروي عن ابن عباس أيضا. فالمعنى: أنه يصب عليهم الصفر المذاب. وقرأ الجمهور ونحاس بالرفع عطفا على شواظ. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وروح عن يعقوب مجرورا عطفا على نار فيكون الشواظ منه أيضا، أي شواظ لهب من نار، ولهب من نحاس ملتهب. وهذه نار خارقة للعادة مثل قوله تعالى: وقودها الناس والحجارة [البقرة: 24] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٦٠) ↗