سورة الرحمن · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم [من] آثار قدرته وبديع صنعته، أن { خلق } أبا الإنس وهو آدم عليه السلام { من صلصال كالفخار } أي: من طين مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جف، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار، { وخلق الجآن } أي: أبا الجن، وهو إبليس اللعين { من مارج من نار } أي: من لهب النار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدل على شرف عنصر الآدمي المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو النار، التي هي محل الخفة والطيش والشر والفساد. ولما بين خلق الثقلين ومادة ذلك، وكان ذلك منة منه [تعالى] على عباده، قال: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الرحمن ١٤–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه (1) الجان من مارج من نار، وهو: طرف لهبها. قاله الضحاك، عن ابن عباس. وبه يقول عكرمة، ومجاهد، والحسن، وابن زيد. وقال العوفي، عن ابن عباس: {من مارج من نار} من لهب النار، من أحسنها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {من مارج من نار} من خالص النار. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك وغيرهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، به (2) . وقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} تقدم تفسيره. {رب المشرقين ورب المغربين} يعني: مشرقي الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء. وقال في الآية الأخرى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} [المعارج: 40] ، وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم، وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل:9] . وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب، مصالح للخلق من الجن والإنس قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ؟ . وقوله: {مرج البحرين يلتقيان} قال ابن عباس: أي أرسلهما. وقوله: {يلتقيان} قال ابن زيد: أي: منعهما أن يلتقيا، بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما. والمراد بقوله: {البحرين} الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس. وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة "الفرقان" عند قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا} [الفرقان:53] . وقد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطية وابن أبزى. قال ابن جرير: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١٨٩) ↗التحرير والتنوير
نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن، فلا يتعرض القرآن لخطابهم، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلف الجن باتباع ما يتبين لهم في إدراكهم، وقد يكلف الله أصنافا بما هم أهل له دون غيرهم، كما كلف أهل العلم بالنظر في العقائد وكما كلفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة بذلك، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة. وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبيء صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن وهم ساكتون فقال لهم «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» . قال الترمذي: هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل. وهذا الحديث لو صح فليس تفسيرا لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله، وقيل الخطاب للذكور والإناث وهو بعيد. والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإنكار مجازا لتشنيع هذا الجحد. وتكذيب الآلاء كناية عن الإشراك بالله في الإلهية. والمعنى: فبأي نعمة من نعم الله عليكم تنكرون إنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بله إنكار جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواما. [14، 15] خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) هذا انتقال إلى الاعتبار بخلق الله الإنسان وخلقه الجن. والقول في مجيء المسند فعلا كالقول في قوله: علم القرآن [الرحمن: 2] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٤٤) ↗