سورة القمر · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه. فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 23]. ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون } لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا، فإن ما جاء به هو الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وازدجر } أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم - قبحهم الله - عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم، فعند ذلك دعا نوح ربه [فقال:] { أني مغلوب } لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، { فانتصر } اللهم لي منهم، وقال في الآية الأخرى: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] الآيات، فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، قال تعالى: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } أي: كثير جدا متتابع، { وفجرنا الأرض عيونا } فجعلت السماء ينزل منها من الماء شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار. { فالتقى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماء بماء منهمر. {وحملناه على ذات ألواح ودسر} : قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظي، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار، ويقال: دسير، كما يقال: حبيك وحباك، والجمع حبك. وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: الدسر: طرفها وأصلها. وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها. وقوله: {تجري بأعيننا} أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا {جزاء لمن كان كفر} أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح، عليه السلام. وقوله: {ولقد تركناها آية} قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 41، 42] . وقال {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ؛ ولهذا قال ها هنا: {فهل من مدكر} أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهل من مدكر} فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، مدكر أو مذكر؟ قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مدكر} (1) وهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود (2) بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مذكر} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مدكر} (3) وروى البخاري أيضا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فهل من مدكر} (4) . وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق؛ أنه سمع رجلا يسأل الأسود: {فهل من مدكر} أو {مذكر} ؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: {فهل من مدكر} . وقال: سمعت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لم ينيبوا من تكذيبهم إياه، أنه محل بهم ما أحل بالأمم الذين قص قصصهم في هذه السورة من الهلاك والعذاب، ومنج نبيه محمدا والمؤمنين به، كما نجى من قبله الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلها بأممهم، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كذبت يا محمد قبل هؤلاء الذين كذبوك من قومك، الذين إذا رأوا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمر، قوم نوح، فكذبوا عبدنا نوحا إذ أرسلناه إليهم، كما كذبتك قريش إذ أتيتهم بالحق من عندنا وقالوا: هو
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١١٩) ↗التحرير والتنوير
فيعاد خلق كل ذات من التراب الذي فيه بقية من أجزاء الجسم وهي ذرات يعلمها الله تعالى. والجراد: اسم جمع واحده جرادة وهي حشرة ذات أجنحة أربعة مطوية على جنبيها وأرجل أربعة، أصفر اللون. والمنتشر: المنبث على وجه الأرض. والمراد هنا: الدبى وهو فراخ الجراد قبل أن تظهر له الأجنحة لأنه يخرج من ثقب في الأرض هي مبيضات أصوله فإذا تم خلقه خرج من الأرض يزحف بعضه فوق بعض قال تعالى: يوم يكون الناس كالفراش المبثوث [القارعة: 4] . وهذا التشبيه تمثيلي لأنه تشبيه هيئة خروج الناس من القبور متراكمين بهيئة خروج الجراد متعاظلا يسير غير ساكن. [9] كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) استئناف بياني ناشىء عن قوله: ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر [القمر: 4] فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم، وسبق الإنباء به في القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة. والخبر مستعمل في التذكير وليفرع عليه ما بعده. فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهم من تلك الأنباء. وفائدة ذكر الظرف قبلهم تقرير تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم، أي أن هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك [فاطر: 4] ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله: من قبلك نظير ما هنا مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرضون. واعلم أنه يقال: كذب، إذا قال قولا يدل على التكذيب، ويقال كذب أيضا، إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى: فإنهم لا يكذبونك [الأنعام: 33] في قراءة الجمهور بتشديد الذال، والمعنيان محتملان هنا، فإن كان فعل كذبت هنا مستعملا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٧٩) ↗