سورة القمر · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على [صحة ما جاء به و] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سحر مستمر } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: { وإن يروا آية يعرضوا } ولم يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وإن يروا آية يعرضوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ولهذا قال: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } كقوله تعالى: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم [القصص: 50] فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بعثت والساعة (1) هكذا". وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى. أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (2) . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السوائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها (3) " وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثنا إسماعيل بن عبيد (5) الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنتم والساعة كهاتين". تفرد به أحمد، رحمه الله (6) . وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان -قال بهز: وقال قبل هذه المرة-خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما (7) ما يدرك لها قعرا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام" وذكر تمام الحديث، انفرد به مسلم (8) . وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فلقتين {واتبعوا أهواءهم} [محمد: 14] يقول: وآثروا اتباع ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك على التصديق بما قد أيقنوا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وحقيقة ما جاءهم به من ربهم وقوله: {وكل أمر مستقر} [القمر: 3] يقول تعالى ذكره: وكل أمر من خير أو شر مستقر قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١١٤) ↗التحرير والتنوير
القمر قالوا: «هذا سحر محمد بن أبي كبشة» وفي رواية قالوا: «قد سحر محمد القمر» ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع آية، وهو نكرة في سياق الشرط يفيد العموم. وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم. وضمير يروا عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم المشركون، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذ معروفة أصحابه، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. ووصف مستمر يجوز أن يكون مشتقا من فعل مر الذي هو مجاز في الزوال والسين والتاء للتقوية في الفعل، أي لا يبقى القمر منشقا. ويجوز أن يكون مشتقا من المرة بكسر الميم، أي القوة، والسين والتاء للطلب، أي طلب لفعله مرة، أي قوة، أي تمكنا. والمعنى: هذا سحر معروف متكرر، أي معهود منه مثله. [3] وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) وكذبوا واتبعوا أهواءهم. هذا إخبار عن حالهم فيما مضى بعد أن أخبر عن حالهم في المستقبل بالشرط الذي في قوله: وإن يروا آية يعرضوا [القمر: 2] . ومقابلة ذلك بهذا فيه شبه احتباك كأنه قيل: وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر، وقد رأوا الآيات وأعرضوا وقالوا: سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهوائهم وسيكذبون ويتبعون أهواءهم. وعطف واتبعوا أهواءهم عطف العلة على المعلول لأن تكذيبهم لا دافع لهم إليه إلا اتباع ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه. وجمع الأهواء دون أن يقول واتبعوا الهوى كما قال: إن يتبعون إلا الظن [الأنعام: 116] ، حيث إن الهوى اسم جنس يصدق بالواحد والمتعدد، فعدل عن الإفراد إلى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٧٢) ↗