سورة القمر · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه. فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 23]. ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون } لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا، فإن ما جاء به هو الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وازدجر } أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم - قبحهم الله - عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم، فعند ذلك دعا نوح ربه [فقال:] { أني مغلوب } لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، { فانتصر } اللهم لي منهم، وقال في الآية الأخرى: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] الآيات، فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، قال تعالى: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } أي: كثير جدا متتابع، { وفجرنا الأرض عيونا } فجعلت السماء ينزل منها من الماء شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار. { فالتقى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماء بماء منهمر. {وحملناه على ذات ألواح ودسر} : قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظي، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار، ويقال: دسير، كما يقال: حبيك وحباك، والجمع حبك. وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: الدسر: طرفها وأصلها. وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها. وقوله: {تجري بأعيننا} أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا {جزاء لمن كان كفر} أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح، عليه السلام. وقوله: {ولقد تركناها آية} قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 41، 42] . وقال {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ؛ ولهذا قال ها هنا: {فهل من مدكر} أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهل من مدكر} فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، مدكر أو مذكر؟ قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مدكر} (1) وهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود (2) بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مذكر} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مدكر} (3) وروى البخاري أيضا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فهل من مدكر} (4) . وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق؛ أنه سمع رجلا يسأل الأسود: {فهل من مدكر} أو {مذكر} ؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: {فهل من مدكر} . وقال: سمعت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
راح تمريه الصبا ثم انتحى %~% فيه شؤبوب جنوب منهمر PageEndV22P122 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١٢١) ↗التحرير والتنوير
فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) تفريع على كذبت قبلهم قوم نوح [القمر: 9] وما تفرع عليه. والمغلوب مجاز، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع فغلبه مقاتله، وقد حكى الله تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل. وأني بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة، أي دعا بأني مغلوب، أي بمضمون هذا الكلام في لغته. وحذف متعلق فانتصر للإيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير: فانتصر لي، أي انصرني. وجملة ففتحنا أبواب السماء إلى آخرها مفرعة على جملة فدعا ربه، ففهم من التفريع أن الله استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح. وحاصل المعنى: فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة. وقرأ الجمهور ففتحنا بتخفيف التاء. وقرأه ابن عامر بتشديدها على المبالغة. والفتح بمعنى شدة هطول المطر. وجملة ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر مركب تمثيلي لهيئة اندفاق الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة: وسالت بأعناق المطي الأباطح والمنهمر: المنصب، أي المصبوب يقال: عمر الماء إذا صبه، أي نازل بقوة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٨٢) ↗