سورة القمر · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على [صحة ما جاء به و] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سحر مستمر } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: { وإن يروا آية يعرضوا } ولم يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وإن يروا آية يعرضوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ولهذا قال: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } كقوله تعالى: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم [القصص: 50] فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما (7) ما يدرك لها قعرا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام" وذكر تمام الحديث، انفرد به مسلم (8) . وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت (9) الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر} ، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٧١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١٠٣) ↗التحرير والتنوير
وكان نزولها في حدود سنة خمس قبل الهجرة ففي «الصحيح» «أن عائشة قالت: أنزل على محمد بمكة وإني لجارية ألعب بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر: 46] . وكانت عقد عليها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين، أي في أواخر سنة أربع قبل الهجرة بمكة، وعائشة يومئذ بنت ست سنين، وذكر بعض المفسرين أن انشقاق القمر كان سنة خمس قبل الهجرة وعن ابن عباس كان بين نزول آية سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45] وبين بدر سبع سنين. تسجيل مكابرة المشركين في الآيات البينة، وأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مكابرتهم. وإنذارهم باقتراب القيامة وبما يلقونه حين البعث من الشدائد. وتذكيرهم بما لقيته الأمم أمثالهم من عذاب الدنيا لتكذيبهم رسل الله وأنهم سيلقون مثلما لقي أولئك إذ ليسوا خيرا من كفار الأمم الماضية. وإنذارهم بقتال يهزمون فيه، ثم لهم عذاب الآخرة وهو أشد. وإعلامهم بإحاطة الله علما بأفعالهم وأنه مجازيهم شر الجزاء ومجاز المتقين خير الجزاء. وإثبات البعث، ووصف بعض أحواله. وفي خلال ذلك تكرير التنويه بهدي القرآن وحكمته. [1] 1] بسم الله الرحمن الرحيم اقتربت الساعة وانشق القمر (1) من عادة القرآن أن ينتهز الفرصة لإعادة الموعظة والتذكير حين يتضاءل تعلق النفوس بالدنيا، وتفكر فيما بعد الموت وتعير آذانها لداعي الهدى. فتتهيأ لقبول الحق في مظان ذلك على تفاوت في استعدادها وكم كان مثل هذا الانتهاز سببا في
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٦٦) ↗