البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النجم · الآية ٣٧

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

إلى آخر السورة يقول تعالى: { أفرأيت } قبح حالة من أمر بعبادة ربه وتوحيده، فتولى عن ذلك وأعرض عنه؟ فإن سمحت نفسه ببعض الشيء، القليل، فإنه لا يستمر عليه، بل يبخل ويكدى ويمنع. فإن المعروف ليس سجية له وطبيعة، بل طبعه التولي عن الطاعة، وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع هذا، فهو يزكي نفسه، وينزلها غير منزلتها التي أنزلها الله بها. { أعنده علم الغيب فهو يرى } الغيب ويخبر به، أم هو متقول على الله، متجرئ على الجمع بين الإساءة والتزكية كما هو الواقع، لأنه قد علم أنه ليس عنده علم من الغيب، وأنه لو قدر أنه ادعى ذلك فالإخبارات القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبي المعصوم، تدل على نقيض قوله، وذلك دليل على بطلانه. { أم لم ينبأ } هذا المدعي { بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى } أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا، { وأن سعيه سوف يرى } في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } أي: المستكمل لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه، جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن أهل النار ليدخلون النار، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } من يرى أن القرب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فوصول سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانا؟! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا" (1) ، وقد قال الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39] . وقوله: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفى} قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلغ جميع ما أمر به. وقال ابن عباس: {وفى} لله بالبلاغ. وقال سعيد بن جبير: {وفى} ما أمر به. وقال قتادة: {وفى} طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: 124] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 123] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وإبراهيم الذي وفى} قال: "أتدري ما وفى؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار". ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف (2) . وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد (3) ، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، عز وجل، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره" (4) . قال ابن أبي حاتم رحمه الله: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٥٠٨) ↗

التحرير والتنوير

والمعنى: أنه آمن نفسه من تبعة التولي عن الإسلام ببذل شيء لمن تحمل عنه تبعة توليه كأنه يعلم الغيب ويشاهد أن ذلك يدفع عنه العقاب، فقد كان فعله ضغثا على إبالة لأنه ما افتدى إلا لأنه ظن أن التولي جريمة، وما بذل المال إلا لأنه توهم أن الجرائم تقبل الحمالة في الآخرة. وتقديم الضمير المسند إليه على فعله المسند دون أن يقول: فيرى، لإفادة تقوي الحكم، نحو: هو يعطي الجزيل. وهذا التقوي بناء على ما أظهر من اليقين بالصفقة التي عاقد عليها وهو أدخل في التعجيب من حاله. [36- 38] أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) أم لإضراب الانتقال إلى متعجب منه وإنكار عليه آخر وهو جهله بما عليه أن يعلمه الذين يخشون الله تعالى من علم ما جاء على ألسنة الرسل الأولين فإن كان هو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهلا تطلب ما أخبرت به رسل من قبل، طالما ذكر هو وقومه أسماءهم وشرائعهم في الجملة، وطالما سأل هو وقومه أهل الكتاب عن أخبار موسى، فهلا سأل عما جاء عنهم في هذا الغرض الذي يسعى إليه وهو طلب النجاة من عذاب الله فينبئه العالمون، فإن مآثر شريعة إبراهيم مأثور بعضها عند العرب، وشريعة موسى معلومة عند اليهود. فالاستفهام المقدر بعد أم إنكار مثل الاستفهام المذكور قبلها في قوله: أعنده علم الغيب والتقدير: بل ألم ينبأ بما في صحف موسى إلخ. وصحف موسى: هي التوراة، وصحف إبراهيم: صحف سجل فيها ما أوحى الله إليه، وهي المذكورة في سورة الأعلى [18، 19] إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى. روى ابن حبان والحاكم عن أبي ذر أنه سأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن الكتب التي أنزلت على الأنبياء فذكر له منها عشرة صحائف أنزلت على إبراهيم ، أي أنزل عليه ما هو مكتوب فيها. وإنما خص هذه الصحف بالذكر لأن العرب يعرفون إبراهيم وشريعته

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٢٩) ↗