سورة النجم · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه مالك الملك، المتفرد بملك الدنيا والآخرة، وأن جميع من في السماوات والأرض ملك لله، يتصرف فيهم تصرف الملك العظيم، في عبيده ومماليكه، ينفذ فيهم قدره، ويجري عليهم شرعه، ويأمرهم وينهاهم، ويجزيهم على ما أمرهم به ونهاهم [عنه]، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي، ليجزي الذين أساؤوا العمل السيئات من الكفر فما دونه بما عملوا من أعمال الشر بالعقوبة البليغة. { ويجزي الذين أحسنوا } في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى خلق الله، بأنواع المنافع { بالحسنى } أي: بالحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، وأكبر ذلك وأجله رضا ربهم، والفوز بنعيم الجنة. ثم ذكر وصفهم فقال: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، { إلا اللمم } وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: { إن ربك واسع المغفرة } فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر " ، [وقوله:] { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {والذين استجابوا لربهم} أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، {وأقاموا الصلاة} وهي أعظم العبادات لله عز وجل، {وأمرهم شورى بينهم} أي: لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا (1) فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] ولهذا كان عليه [الصلاة] (2) السلام، يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم. وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] (3) الوفاة حين طعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم، رضي الله عنهم، {ومما رزقناهم ينفقون} وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب. وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا، كما قال يوسف، عليه السلام، لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [وهو أرحم الراحمين] (4) } [يوسف:92] ، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم من عليهم (5) مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به [عليه السلام] (6) حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ، عليه السلام، وهو في يده صلتا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف من يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم (7) ، الذي سحره، عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له، ولا عاتبه، مع قدرته عليه. وكذلك عفوه، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قد بينا اختلاف أهل التأويل فيها وبينا الصواب من القول عندنا فيها في سورة النساء، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا {والفواحش} [الشورى: 37] قيل: إنها الزنى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٢١) ↗التحرير والتنوير
وجملة وهو أعلم بمن اهتدى تتميم، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم. والباء في بمن ضل وفي بمن اهتدى لتعدية صفتي أعلم وهي للملابسة، أي هو أشد علما ملابسا لمن ضل عن سبيله، أي ملابسا لحال ضلاله، وتقديم ذكر بمن ضل على ذكر بمن اهتدى لأن الضالين أهم في هذا المقام، وأما ذكر المهتدين فتتميم. [31، 32] 32] ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة. عطف على قوله: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله إلخ فبعد أن ذكر أن لله أمور الدارين بقوله: فلله الآخرة والأولى [النجم: 25] انتقل إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض بمناسبة قوله: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله [النجم: 30] المراد به الإشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء. فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله: وما في الأرض لأن المهم ما في الأرض إذ هم متعلق الجزاء، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه التتميم للإعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ونكتة الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام بالعالم العلوي لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله: ليجزي الذين أساؤا بما عملوا الآية مقترنا بما يناسبه من ذكر ما في الأرض لأن المجزيين هم أهل الأرض، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر. فيجوز أن يتعلق قوله: ليجزي بما في الخبر من معنى الكون المقدر في الجار والمجرور المخبر به عن ما في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗