سورة النجم · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به، والصحيح أن النجم، اسم جنس شامل للنجوم كلها، وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم. والمقسم عليه، تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة، بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد، وقال { صاحبكم } لينبههم على ما يعرفونه منه، من الصدق والهداية، وأنه لا يخفى عليهم أمره، { وما ينطق عن الهوى } أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه، { إن هو إلا وحي يوحى } أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى، في نفسه وفي غيره. ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة [النساء: 113] وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى، ثم ذكر المعلم للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل [عليه السلام]، أفضل الملائكة [الكرام] وأقواهم وأكملهم، فقال: { علمه [شديد القوى] } أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، { شديد القوى } أي: شديد القوة الظاهرة والباطنة، قوي على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنعه من اختلاس الشياطين له، أو إدخالهم فيه ما ليس منه، وهذا من حفظ الله لوحيه، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين. { ذو مرة } أي: قوة، وخلق حسن، وجمال ظاهر وباطن. { فاستوى } جبريل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره، فنزه الله [سبحانه وتعالى] (1) رسوله وشرعه عن مشابهة أهل (2) الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن (3) علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: {وما ينطق عن الهوى} أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض، {إن هو إلا وحي يوحى} أي: إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفرا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد. حدثنا يزيد، حدثنا حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي أمامة؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين -أو: مثل أحد الحيين-: ربيعة ومضر". فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول" (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، يتكلم في الغضب. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق". ورواه أبو داود عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به (5) . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أخبرتكم أنه الذي من عند الله، فهو الذي لا شك فيه". ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد (6) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن محمد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٨) ↗التحرير والتنوير
والسحر ضلال وغواية، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء: 224] أي يحبذون أقوالهم لأنها غواية. وعطف على جواب القسم ما ينطق عن الهوى وهذا وصف كمال لذاته. والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه: إن هذا إلا إفك افتراه [الفرقان: 4] وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها [الفرقان: 5] وذلك ونحوه لا يعدو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يخترع وما يختار بقطع النظر عن كونه حقا أو باطلا، فإن من الشعر حكمة، ومنه حكاية واقعات، ومنه تخيلات ومفتريات. وكله ناشىء عن محبة الشاعر أن يقول ذلك، فأراهم الله أن القرآن داع إلى الخير. و (ما) نافية نفت أن ينطق عن الهوى. والهوى: ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يختلفون في الحق، وقد يحب المرء الحق والصواب. فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل. ونفي النطق عن هوى يقتضي نفي جنس ما ينطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم. واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة. ولذلك ورد في صفة النبيء صلى الله عليه وسلم «أنه يمزح ولا يقول إلا حقا» . وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: وما ينطق عن الهوى. وبين هوى والهوى جناس شبه التام.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٩٣) ↗