سورة النجم · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني أن المشركين بالله المكذبين لرسله، الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبسبب عدم إيمانهم بالآخرة تجرؤوا على ما تجرؤوا عليه، من الأقوال، والأفعال المحادة لله ولرسوله، من قولهم: " الملائكة بنات الله " ، فلم ينزهوا ربهم عن الولادة، ولم يكرموا الملائكة ويجلوهم عن تسميتهم إياهم إناثا، والحال أنه ليس لهم بذلك علم، لا عن الله، ولا عن رسوله، ولا دلت على ذلك الفطر والعقول، بل العلم كله دال على نقيض قولهم، وأن الله منزه عن الأولاد والصاحبة، لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأن الملائكة كرام مقربون إلى الله، قائمون بخدمته لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6] والمشركون إنما يتبعون في ذلك القول القبيح، وهو الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، فإن الحق لا بد فيه من اليقين المستفاد من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. ولما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم، والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهذا منتهى إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا للشيء الذي يريده، فسعيهم مقصور على الدنيا ولذاتها وشهواتها، كيف حصلت حصلوها، وبأي: طريق سنحت ابتدروها، { ذلك مبلغهم من العلم } أي: هذا منتهى علمهم وغايته، وأما المؤمنون بالآخرة، المصدقون بها، أولو الألباب والعقول، فهمتهم وإرادتهم للدار الآخرة، وعلومهم أفضل العلوم وأجلها، وهو العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ممن لا يستحق ذلك فيكله إلى نفسه، ويخذله، فيضل عن سبيل الله، ولهذا قال تعالى: { لعلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } فيضع فضله حيث يعلم المحل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله، كما قال: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 19] ؛ ولهذا قال: {وما لهم به من علم} أي: ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء، وكفر شنيع. { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (1) . وقوله: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} أي: وإنما (2) أكثر (3) همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك (4) قال: {ذلك مبلغهم من العلم} أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة [رضي الله عنها] (5) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (6) وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا". وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدا، لا في شرعه ولا في قدره.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٥٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدار الآخرة، وذلك يوم القيامة ليسمون ملائكة الله تسمية الإناث، وذلك أنهم كانوا يقولون: هم بنات الله وبنحو الذي قلنا في قوله: {تسمية الأنثى} [النجم: 27] قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٧) ↗التحرير والتنوير
… دعاء والشفاعة توجه أعلى، فالملائكة يعلمون إذا أراد الله استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند الله فيشفع فتقبل شفاعته، فهذا تقريب كيفية الشفاعة. ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في موقف الحشر. وعطف ويرضى على لمن يشاء للإشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلا لأن يشفع له. وفي هذا الإبهام تحريض للمؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضى الله عنهم ليكونوا أهلا للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال. [27، 28] 28] إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به من علم. اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعا لما ذكر آنفا من جعل المشركين اللات والعزى ومناة بنات لله بقوله: أفرأيتم اللات والعزى إلى قوله: ألكم الذكر وله الأنثى [النجم: 19- 21] ثني إليهم عنان الرد والإبطال لزعمهم أن الملائكة بنات الله جمعا بين رد باطلين متشابهين، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عن المردود عليهم بضمير الغيبة تبعا لقوله: إن يتبعون إلا الظن [النجم: 28] ، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التوبيخ لهم والتحقير لعقائدهم إذ كفروا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١١٤) ↗