سورة الطور · الآية ٤١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم وكافرهم، لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن اتباعه، مع علمهم أنه أبعد الناس عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به، فقال: { فمآ أنت بنعمة ربك } أي: منه ولطفه، { بكاهن } أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم إليها مائة كذبة، { ولا مجنون } فاقد للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم وأكملهم، وتارة { يقولون } فيه: إنه { شاعر } يقول الشعر، والذي جاء به شعر، والله يقول: وما علمناه الشعر وما ينبغي له [يس: 69]. { نتربص به ريب المنون } أي: ننتظر به الموت، فسيبطل أمره، [ونستريح منه]، { قل } لهم جوابا لهذا الكلام السخيف: { تربصوا } أي: انتظروا بي الموت، { فإني معكم من المتربصين } نتربص بكم، أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا. { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ أم هم قوم طاغون } أي: أهذا التكذيب لك، والأقوال التي قالوها؟ هل صدرت عن عقولهم وأحلامهم؟ فبئس العقول والأحلام، التي أثرت ما أثرت، وصدر منها ما صدر. فإن عقولا جعلت أكمل الخلق عقلا مجنونا، وأصدق الصدق وأحق الحق كذبا وباطلا، لهي العقول التي ينزه المجانين عنها، أم الذي حملهم على ذلك ظلمهم وطغيانهم؟ وهو الواقع، فالطغيان ليس له حد يقف عليه، فلا يستغرب من الطاغي المتجاوز الحد كل قول وفعل صدر منه. { أم يقولون تقوله } أي: تقول محمد القرآن، وقاله من تلقاء نفسه؟ { بل لا يؤمنون } فلو آمنوا، لم يقولوا ما قالوا. { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أنه تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق معارضتكم أو تقروا بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل. ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم مع الله، فقال: {أم له البنات ولكم البنون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، {أم تسألهم أجرا} أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله؟ أي: لست تسألهم على ذلك شيئا، {فهم من مغرم مثقلون} أي: فهم (3) من أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم، {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله، {أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون} يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٩٩) ↗التحرير والتنوير
عليه أداؤه، شبه طلبه أداء ما يعسر عليه بحمل الشيء الثقيل على من لا يسهل عليه حمله. ومن للتعليل، أي مثقلون من أجل مغرم حمل عليهم. والمعنى: أنك ما كلفتهم شيئا يعطونه إياك فيكون ذلك سببا لإعراضهم عنك تخلصا من أداء ما يطلب منهم، أي انتفى عذر إعراضهم عن دعوتك. [41] 41] أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) هذا نظير الإضراب والاستفهام في قوله: أم عندهم خزائن ربك [الطور: 37] ، أي بل أعندهم الغيب فهم يكتبون ما يجدونه فيه ويروونه للناس؟! أي ما عندهم الغيب حتى يكتبوه، فبعد أن رد عليهم إنكارهم الإسلام بأنهم كالذين سألهم النبيء صلى الله عليه وسلم أجرا على تبليغها أعقبه برد آخر بأنهم كالذين اطلعوا على أن عند الله ما يخالف ما ادعى الرسول صلى الله عليه وسلم إبلاغه عن الله فهم يكتبون ما اطلعوا عليه فيجدونه مخالفا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: لما قالوا: نتربص به ريب المنون [الطور: 30] قال الله تعالى: أم عندهم الغيب أي حتى علموا متى يموت محمد، أو إلى ما يؤول إليه أمره فجعله راجعا إلى قوله: أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون [الطور: 30] . والوجه ما سمعته آنفا. والغيب هنا مصدر بمعنى الفاعل، أي ما غاب عن علم الناس. والتعريف في الغيب تعريف الجنس وكلمة (عند) تؤذن بمعنى الاختصاص والاستئثار، أي استأثروا بمعرفة الغيب فعلموا ما لم يعلمه غيرهم. والكتابة في قوله: فهم يكتبون يجوز أنها مستعارة للجزم الذي لا يقبل التخلف كقوله: كتب ربكم على نفسه الرحمة [الأنعام: 54] لأن شأن الشيء الذي يراد تحقيقه والدوام عليه أن يكتب ويسجل، كما قال الحارث بن حلزة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٧٦) ↗