سورة الطور · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال: { إن المتقين } لربهم، الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي. { في جنات } أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفة، والأنهار المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل المزخرفة، { ونعيم } [وهذا] شامل لنعيم القلب والروح والبدن، { فاكهين بمآ آتاهم ربهم } أي: معجبين به، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفه، ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه. { كلوا واشربوا } أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [أصناف] المآكل والمشارب اللذيذة، { هنيئا } أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب على وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور. { بما كنتم تعملون } أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة. { متكئين على سرر مصفوفة } الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم لبعض، فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة]، والمجالس الحسنة الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن، فذكر الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: { وزوجناهم بحور عين } وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش شوقا إليهن، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
مالك الطائي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه". وحدثنا أبي، حدثنا هدبة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا. ومعنى {مصفوفة} أي: وجوه بعضهم إلى بعض، كقوله: {على سرر متقابلين} [الصافات: 44] . {وزوجناهم بحور عين} أي: وجعلناهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين. وقال مجاهد: {وزوجناهم} : أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته. يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: {ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} قال الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، به. وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة عن عمرو بن مرة به (1) . ورواه البزار، عن سهل بن بحر (2) ، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعا، فذكره، ثم قال: وقد رواه
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٣٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كثيرة، وذلك نظير قول العرب للرجل يكون عنده تمر كثير: رجل تامر، أو يكون عنده لبن كثير، فيقال: هو لابن، كما قال الحطيئة: أغررتني وزعمت %~% أنك لابن في الصيف تامر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٧٧) ↗التحرير والتنوير
فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم معترضتان بين جملة اصلوها والجملة الواقعة تعليلا لها. والحصر المستفاد من كلمة إنما قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم من الفزع. وعدي تجزون إلى ما كنتم تعملون بدون الباء خلافا لقوله بعده كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون [الطور: 19] ليشمل القصر مفعول الفعل المقصور، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل بالباء إذ جعل بمنزلة نفس الفعل. [17- 19] إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) استئناف بياني بعد أن ذكر حال المكذبين وما يقال لهم، فمن شأن السامع أن يتساءل عن حال أضدادهم وهم الفريق الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به القرآن وخاصة إذ كان السامعون المؤمنين وعادة القرآن تعقيب الإنذار بالتبشير وعكسه، والجملة معترضة بين ما قبلها وجملة أم يقولون شاعر [الطور: 30] . وتأكيد الخبر ب (إن) للاهتمام به وتنكير جنات ونعيم لتعظيم، أي في أية جنات وأي نعيم. وجمع جنات تقدم في سورة الذاريات. والفاكه: وصف من فكه كفرح، إذا طابت نفسه وسر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٤٥) ↗