سورة الذاريات · الآية ٥٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى آمرا رسوله بالإعراض عن المعرضين المكذبين: { فتول عنهم } أي: لا تبال بهم ولا تؤاخذهم، وأقبل على شأنك. فليس عليك لوم في ذنبهم، وإنما عليك البلاغ، وقد أديت ما حملت، وبلغت ما أرسلت به. { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } والتذكير نوعان: تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول، فإن الله فطر العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك، فكل ما أمر به ونهى من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن يذكر ما في المأمور به، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه من المضار. والنوع الثاني من التذكير: تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك، ويكرر عليهم ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه من ذلك، وليحدث لهم نشاطا وهمة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع. وأخبر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة واتباع رضوان الله، يوجب لهم أن تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها، كما قال تعالى: فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى [الأعلى: 9-11] وأما من ليس له معه إيمان ولا استعداد لقبول التذكير، فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها المطر شيئا، وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الذاريات ٥٤–٥٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم: وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} !. قال الله تعالى: {أتواصوا به} أي: أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة؟ " {بل هم قوم طاغون} أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: {فتول عنهم} أي: فأعرض عنهم يا محمد، {فما أنت بملوم} يعني: فما نلومك على ذلك. {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} أي: إنما تنتفع (1) بها القلوب المؤمنة. ثم قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إلا ليعبدون} أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها (2) وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: {إلا ليعبدون} أي: إلا للعبادة. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون. وقوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} قال (3) الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد (4) ، عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم: "إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حسن صحيح (6) . ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران -يعني ابن زائدة بن نشيط-عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عنه وتركه، كما قال حصين بن ضمضم: أما بنو عبس فإن هجينهم %~% ولى فوارسه وأفلت أعورا والأعور في هذا الموضع: الذي عور فلم تقض حاجته، ولم يصب ما طلب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٥١) ↗التحرير والتنوير
والدواعي للمقالة، إذ جميعهم قوم طاغون، وأن طغيانهم وكبرياءهم يصدهم عن اتباع رسول يحسبون أنفسهم أعظم منه، وإذ لا يجدون وصمة يصمونه بها اختلقوا لتنقيصه عللا لا تدخل تحت الضبط وهي ادعاء أنه مجنون أو أنه ساحر، فاستووا في ذلك بعلة استوائهم في أسبابه ومعاذيره. فضمير هم قوم طاغون عائد إلى ما عاد إليه ضمير أتواصوا. وفي إقحام كلمة قوم إيذان بأن الطغيان راسخ في نفوسهم بحيث يكون من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى: لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] . [54، 55] 55] فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) تفريع على قوله: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلى قوله: بل هم قوم طاغون [الذاريات: 52، 53] لمشعر بأنهم بعداء عن أن تقنعهم الآيات والنذر فتول عنهم، أي أعرض عن الإلحاح في جدالهم، فقد كان النبيء صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتم من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله يعاود تسليته الفينة بعد الفينة كما قال: لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [الشعراء: 3] فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [الكهف: 6] ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون [النحل: 127] ، فالتولي مراد به هذا المعنى، وإلا فإن القرآن جاء بعد أمثال هذه الآية بدعوتهم وجدالهم غير مرة قال تعالى: فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون في سورة الصافات [174- 175] . وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون: لا نلومك، للدلالة على ثبات مضمون الجملة في النفي. وجيء بضمير المخاطب مسندا إليه فقال: فما أنت بملوم دون أن يقول: فلا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٣) ↗