سورة الذاريات · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول الله مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين بالله، المكذبين له، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة، ما هو منزه عنه، وأن هذه الأقوال ما زالت دأبا وعادة للمجرمين المكذبين للرسل، فما أرسل الله من رسول إلا رماه قومه بالسحر أو الجنون. يقول الله تعالى: هذه الأقوال التي صدرت منهم - الأولين والآخرين - هل هي أقوال تواصوا بها، ولقن بعضهم بعضا بها؟ فلا يستغرب - بسبب ذلك - اتفاقهم عليها: { بل هم قوم طاغون } تشابهت قلوبهم وأعمالهم بالكفر والطغيان، فتشابهت أقوالهم الناشئة عن طغيانهم؟ وهذا هو الواقع، كما قال تعالى: وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم [البقرة: 118] وكذلك المؤمنون، لما تشابهت قلوبهم بالإذعان للحق وطلبه، والسعي فيه، بادروا إلى الإيمان برسلهم وتعظيمهم وتوقيرهم وخطابهم بالخطاب اللائق بهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الذاريات ٥٢–٥٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم: وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} !. قال الله تعالى: {أتواصوا به} أي: أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة؟ " {بل هم قوم طاغون} أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: {فتول عنهم} أي: فأعرض عنهم يا محمد، {فما أنت بملوم} يعني: فما نلومك على ذلك. {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} أي: إنما تنتفع (1) بها القلوب المؤمنة. ثم قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إلا ليعبدون} أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها (2) وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: {إلا ليعبدون} أي: إلا للعبادة. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون. وقوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} قال (3) الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد (4) ، عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم: "إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حسن صحيح (6) . ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران -يعني ابن زائدة بن نشيط-عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أحل الله بهم نقمته، كقوم نوح وعاد وثمود، وفرعون وقومه، ما أتى هؤلاء القوم الذين ذكرناهم من قبلهم، يعني من قبل قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون، كما قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٥٠) ↗التحرير والتنوير
وأخر الكلام على قوم نوح لما عرض من تجاذب المناسبات فيما أورد من آيات العذاب للأمم المذكورة آنفا بما علمته سابقا. ولذلك كان قوله: من قبل تنبيها على وجه مخالفة عادة القرآن في ترتيب حكاية أحوال الأمم على حسب ترتيبهم في الوجود. وقد أومأ قوله: من قبل إلى هذا ومثله قوله تعالى: وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى [النجم: 50- 52] . [47] 47] والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوجه إليه الخطاب يذكرهم بأن الله خلق أعظم المخلوقات ولم تكن شيئا فلا تعد إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلا شيئا يسيرا كما قال تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] . وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله: إني لكم منه نذير مبين [الذاريات: 51] معترضة بين جملة وقوم نوح من قبل [الذاريات: 46] إلخ وجملة كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول [الذاريات: 52] الآية. وابتدئ بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس، وعطف عليه خلق الأرض عطف الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي. وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظر فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان. واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يدعى بناء. وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته، لأن أثره ينبىء عن عظيم كيفيته، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٥) ↗