سورة المائدة · الآية ٧٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح، ما تقدم حكايته عنهم. وكغلوهم في بعض المشايخ، اتباعا ل { أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } أي: تقدم ضلالهم. { وأضلوا كثيرا } من الناس بدعوتهم إياهم إلى الدين، الذي هم عليه. { وضلوا عن سوآء السبيل } أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة، ثم قال تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله { على لسان داوود وعيسى ابن مريم } أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها. { ذلك } الكفر واللعن { بما عصوا وكانوا يعتدون } أي: بعصيانهم لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات. ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات، وأوقعت بهم العقوبات أنهم: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر وغيره، الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك. وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر - مع القدرة - موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة: منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه - كما يجب اجتناب المعصية - فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية. ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها. ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} إلى قوله: {فاسقون} ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد (1) الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا (2) -أو تقصرنه على الحق قصرا". وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من طريق علي بن بذيمة، به (3) وقال الترمذي: "حسن غريب". ثم رواه هو وابن ماجه، عن بندار، عن ابن مهدى، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلا. (4) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وهارون بن إسحاق الهمداني قالا حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه -وفي حديث هارون: وشريبه، ثم اتفقا في المتن-فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا (5) أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم"، والسياق لأبي سعيد. كذا قال في رواية (6) هذا الحديث. وقد رواه أبو داود أيضا، عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم -وهو ابن عجلان الأفطس-عن أبي عبيدة (7) بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. ثم قال أبو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {كانوا لا يتناهون عن منكر، فعلوه} [المائدة: 79] لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٩٢) ↗التحرير والتنوير
فأضلوا كثيرا مثل (قيافا) حبر اليهود الذي كفر عيسى- عليه السلام- وحكم بأنه يقتل، ومثل المجمع الملكاني الذي سجل عقيدة التثليث. وقوله من قبل معناه من قبلكم. وقد كثر في كلام العرب حذف ما تضاف إليه قبل وبعد وغير وحسب ودون، وأسماء الجهات، وكثر أن تكون هذه الأسماء مبنية على الضم حينئذ، ويندر أن تكون معربة إلا إذا نكرت. وقد وجه النحويون حالة إعراب هذه الأسماء إذا لم تنكر بأنها على تقدير لفظ المضاف إليه تفرقة بين حالة بنائها الغالبة وحالة إعرابها النادرة، وهو كشف لسر لطيف من أسرار اللغة. وقوله: وضلوا عن سواء السبيل مقابل لقوله: قد ضلوا من قبل فهذا ضلال آخر، فتعين أن سواء السبيل الذي ضلوا عنه هو الإسلام. والسواء المستقيم، وقد استعير للحق الواضح، أي قد ضلوا في دينهم من قبل مجيء الإسلام وضلوا بعد ذلك عن الإسلام. وقيل: الخطاب بقوله: يا أهل الكتاب للنصارى خاصة، لأنه ورد عقب مجادلة النصارى وأن المراد بالغلو التثليث، وأن المراد بالقوم الذين ضلوا من قبل هم اليهود. ومعنى النهي عن متابعة أهوائهم النهي عن الإتيان بمثل ما أتوا به بحيث إذا تأمل المخاطبون وجدوا أنفسهم قد اتبعوهم وإن لم يكونوا قاصدين متابعتهم فيكون الكلام تنفيرا للنصارى من سلوكهم في دينهم المماثل لسلوك اليهود، لأن النصارى يبغضون اليهود ويعرفون أنهم على ضلال. [78، 79] 79] لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٩١) ↗