سورة المائدة · الآية ٧٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم: { إن الله هو المسيح ابن مريم } بشبهة أنه خرج من أم بلا أب، وخالف المعهود من الخلقة الإلهية، والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى، وقال لهم: { يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق. { إنه من يشرك بالله } أحدا من المخلوقين، لا عيسى ولا غيره. { فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار } وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار. { وما للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم. { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين؟! كيف خفي عليهم رب العالمين؟! قال تعالى - رادا عليهم وعلى أشباههم -: { وما من إله إلا إله واحد } متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم توعدهم بقوله: { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم، وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: { أفلا يتوبون إلى الله } أي: يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد، وبأن عيسى عبد الله ورسوله، عما كانوا يقولونه { ويستغفرونه } عن ما صدر منهم { والله غفور رحيم } أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات. وصدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا. هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله. بل قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إلى أن قال: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [مريم:30-36] . وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله} أي: فيعبد معه غيره {فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:48، 116] ، وقال تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف:50] . وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في الناس: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة"، وفي لفظ: "مؤمنة". (1) وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48، 116] حديث يزيد (2) بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة فذكر منهم ديوانا لا يغفره (3) الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [ومأواه النار] } (4) الحديث في مسند أحمد. (5) ولهذا قال [الله] (6) تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/١٥٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يقول مكذبا لليعقوبية في قيلهم: هو الله، والآخرين في قيلهم: هو ابن الله: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر حجة له على صدقه وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعبر حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل {وأمه صديقة} [المائدة: 75] يقول تعالى ذكره: وأم المسيح صديقة، والصديقة: الفعيلة من الصدق , وكذلك قولهم فلان صديق: فعيل من الصدق، ومنه قوله تعالى ذكره: {والصديقين والشهداء} [النساء: 69] وقد قيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما قيل له الصديق لصدقه، وقد قيل: إنما سمي صديقا لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها وقوله: {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٨٢) ↗التحرير والتنوير
والمس مجاز في الإصابة، لأن حقيقة المس وضع اليد على الجسم، فاستعمل في الإصابة بجامع الاتصال، كقوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون [الأنعام: 49] ، فهو دال على مطلق الإصابة من غير تقييد بشدة أو ضعف، وإنما يرجع في الشدة أو الضعف إلى القرينة، مثل أليم هنا، ومثل قوله بما كانوا يفسقون [الأنعام: 49] في الآية الأخرى، وقال يزيد بن الحكم الكلابي من شعراء الحماسة: مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع أي تتبعنا أصول آبائنا. والمراد ب الذين كفروا عين المراد ب الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة فعدل عن التعبير عنهم بضميرهم إلى الصلة المقررة لمعنى كفرهم المذكور آنفا بقوله: لقد كفر الذين قالوا إلخ، لقصد تكرير تسجيل كفرهم وليكون اسم الموصول مومئا إلى سبب الحكم المخبر به عنه. وعلى هذا يكون قوله منهم بيانا للذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهم السامع أن هذا وعيد لكفار آخرين. ولما توعدهم الله أعقب الوعيد بالترغيب في الهداية فقال: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه. فالتوبة هي الإقلاع عما هو عليه في المستقبل والرجوع إلى الاعتقاد الحق. والاستغفار طلب مغفرة ما سلف منهم في الماضي والندم عما فرط منهم من سوء الاعتقاد. وقوله والله غفور رحيم تذييل بثناء على الله بأنه يغفر لمن تاب واستغفر ما سلف منه، لأن غفور رحيم من أمثلة المبالغة يدلان على شدة الغفران وشدة الرحمة، فهو وعد بأنهم إن تابوا واستغفروه رفع عنهم العذاب برحمته وصفح عما سلف منهم بغفرانه. [75] 75] ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٨٤) ↗