البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المائدة · الآية ٦٢

﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { قل } يا أيها الرسول: { يأهل الكتاب } ملزما لهم، إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدح بأمر ينبغي المدح عليه: { هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين، وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا الإيمان فإنه كافر فاسق؟ فهل تنقمون منا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟!! ومع هذا فأكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم - أيها الفاسقون - السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم. ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال تعالى: { قل } لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هل أنبئكم بشر من ذلك } الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل معكم. { من لعنه الله } أي: أبعده عن رحمته { وغضب عليه } وعاقبه في الدنيا والآخرة { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } وهو الشيطان، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. { أولئك } المذكورون بهذه الخصال القبيحة { شر مكانا } من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله عنهم وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وأضل عن سوآء السبيل } أي: وأبعد عن قصد السبيل. { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } نفاقا ومكرا { و } هم { وقد دخلوا } مشتملين على الكفر { وهم قد خرجوا به } فمدخلهم ومخرجهم بالكفر - وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟!! { والله أعلم بما كانوا يكتمون } فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها. ثم استمر تعالى يعدد معايبهم، انتصارا لقدحهم في عباده المؤمنين، فقال: { وترى كثيرا منهم } أي: من اليهود { يسارعون في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري، به. (1) وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا إن الله لم يلعن قوما (2) فيمسخهم (3) فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم (4) مثلهم". ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات، به. (5) وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح (6) حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير". هذا حديث غريب جدا (7) . وقوله: {وعبد الطاغوت} وقرئ {وعبد الطاغوت} على أنه فعل ماض، "والطاغوت" منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: {وعبد الطاغوت} بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ {وعبد الطاغوت} على أنه جمع الجمع: عبد وعبيد وعبد، مثل ثمار وثمر. حكاها ابن جرير عن الأعمش. وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها: "وعابد الطاغوت"، وعن أبي، وابن مسعود: "وعبدوا"، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: {وعبد الطاغوت} على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها. والظاهر (8) أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك. وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي (9) هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون [ما] (10) سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم (11) جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: {أولئك شر مكانا} أي: مما تظنون بنا {وأضل عن سواء السبيل}

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/١٤٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

يعجلون بمواقعة الإثم. وقيل: إن الإثم في هذا الموضع معني به الكفر حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان} [المائدة: 62] قال: " الإثم: الكفر " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان} [المائدة: 62] وكان هذا في حكام اليهود بين أيديكم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يسارعون في الإثم والعدوان} [المائدة: 62] قال: " هؤلاء اليهود {لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون} [المائدة: 63] إلى قوله: {لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 63] قال: «يصنعون ويعملون واحد. قال لهؤلاء حين لم ينهوا , كما قال لهؤلاء حين عملوا» قال: وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي وإن كان قولا غير مدفوع جواز صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله لا يتحاشون من شيء منها لا من كفر ولا من غيره؛ لأن الله تعالى ذكره عم في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان من غير أن يخص بذلك إثما دون إثم. وأما العدوان , فإنه مجاوزة الحد الذي حده الله لهم في كل ما حده لهم. وتأويل ذلك أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره، ويتعدون حدوده التي حد لهم فيما أحل لهم وحرم عليهم في أكلهم السحت، وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم. يقول الله تعالى ذكره: {لبئس ما كانوا يعملون} [المائدة: 62] يقول: " أقسم لبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٤٩) ↗

التحرير والتنوير

والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتا لهم عن التطاول. على أنه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمان قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانيهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالا وأجدر بكونهم شرا، فيكون الكلام من ذم القبيل كله. على أن كثيرا من موجبات اللعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف، على أنهم شتموا المسلمين بما زعموا أنه دينهم فيحق شتمهم بما نعتقده فيهم. [61- 63] وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) عطف وإذا جاؤكم على قوله: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا [المائدة: 58] الآية، وخص بهذه الصفات المنافقون من اليهود من جملة الذين اتخذوا الدين هزوءا ولعبا، فاستكمل بذلك التحذير ممن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين. ولا يصح عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله: وجعل منهم القردة [المائدة: 60] لعدم استقامة المعنى، وبذلك يستغنى عن تكلف وجه لهذا العطف. ومعنى قوله: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به أن الإيمان لم يخالط قلوبهم طرفة عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك، لشدة قسوة قلوبهم، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما، لأن ذلك هو المتعارف، إذ الحالة إذا تبدلت استمر تبدلها، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم: آمنا، والعرب تقول: خرج بغير الوجه الذي دخل به.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٤٧) ↗