سورة المائدة · الآية ٥٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { قل } يا أيها الرسول: { يأهل الكتاب } ملزما لهم، إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدح بأمر ينبغي المدح عليه: { هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين، وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا الإيمان فإنه كافر فاسق؟ فهل تنقمون منا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟!! ومع هذا فأكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم - أيها الفاسقون - السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم. ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال تعالى: { قل } لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هل أنبئكم بشر من ذلك } الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل معكم. { من لعنه الله } أي: أبعده عن رحمته { وغضب عليه } وعاقبه في الدنيا والآخرة { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } وهو الشيطان، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. { أولئك } المذكورون بهذه الخصال القبيحة { شر مكانا } من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله عنهم وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وأضل عن سوآء السبيل } أي: وأبعد عن قصد السبيل. { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } نفاقا ومكرا { و } هم { وقد دخلوا } مشتملين على الكفر { وهم قد خرجوا به } فمدخلهم ومخرجهم بالكفر - وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟!! { والله أعلم بما كانوا يكتمون } فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها. ثم استمر تعالى يعدد معايبهم، انتصارا لقدحهم في عباده المؤمنين، فقال: { وترى كثيرا منهم } أي: من اليهود { يسارعون في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري، به. (1) وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا إن الله لم يلعن قوما (2) فيمسخهم (3) فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم (4) مثلهم". ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات، به. (5) وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح (6) حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير". هذا حديث غريب جدا (7) . وقوله: {وعبد الطاغوت} وقرئ {وعبد الطاغوت} على أنه فعل ماض، "والطاغوت" منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: {وعبد الطاغوت} بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ {وعبد الطاغوت} على أنه جمع الجمع: عبد وعبيد وعبد، مثل ثمار وثمر. حكاها ابن جرير عن الأعمش. وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها: "وعابد الطاغوت"، وعن أبي، وابن مسعود: "وعبدوا"، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: {وعبد الطاغوت} على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها. والظاهر (8) أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك. وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي (9) هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون [ما] (10) سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم (11) جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: {أولئك شر مكانا} أي: مما تظنون بنا {وأضل عن سواء السبيل}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/١٤٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٣٦) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور والكفار- بالنصب- عطفا على الذين اتخذوا دينكم المبين بقوله: من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب والكفار- بالخفض- عطفا على الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومآل القراءتين واحد. وقوله: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه. وذكر هذا الشرط استنهاض للهمة في الانتهاء، وإلهاب لنفوس المؤمنين ليظهروا أنهم مؤمنون، لأن شأن المؤمن الامتثال. وليس للشرط مفهوم هنا، لأن الكلام إنشاء ولأن خبر كان لقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتصديق، ذلك لأن نفي التقوى لا ينفي الإيمان عند من يعتد به من علماء الإسلام الذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حق الفهم. وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التامة بمعنى الموافقة في الدين فالأمر بالتقوى، أي الحذر من الوقوع فيما نهوا عنه معلق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر. والحاصل أن الآية مفسرة أو مؤولة على حسب ما تقدم في سالفتها ومن يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة: 51] . والنداء إلى الصلاة هو الأذان، وما عبر عنه في القرآن إلا بالنداء. وقد دلت الآية على أن الأذان شيء معروف، فهي مؤيدة لمشروعية الأذان وليست مشرعة له، لأنه شرع بالسنة. وقوله: ذلك بأنهم قوم لا يعقلون تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصلاة ما يوجب الاستهزاء فجعله موجبا للاستهزاء سخافة لعقولهم. [59، 60] 60] قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٤٢) ↗